109 ... أن يزيد في هذا المسجد وشكوا إليه ضيقه، فشاور عثمان اهل الرأي فأشاروا عليه بذلك، فصعد المنبر فخطب ثم اعلمهم بذلك كالمستشير بما يريد قال: وقد تقدمني إلى مثل ذلك عمر بن الخطاب فحسنوا له ذلك ودعوا له.
فغيره عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جدره بالحجارة المنقوشة والقصة (1) وجعل عمده من حجار منقوشة وسقفه بالساج أخرجه البخاري وأبو داود ولفظه: أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سواريه من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ثم عمر رضي الله عنه بناها بجذوع النخل وجريد النخل، ثم نخرت في خلافة عثمان رضي الله عنه فبناها بالآجر فلم تزل ثابتة حتى الآن.
ابتدأ به عثمان في شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ منه في هلال المحرم سنة ثلاثين، وزاد فيه من القبلة إلى موضع الجدار اليوم، أسفلها مربعاً قدر الجلسة وهي زيادة عمر، وقبالة الاسطوانة التي زادها عثمان في الحائط القبلي طرازاً أخذ من العصابة السفلة إلى سقف المسجد، وهو حد زيادة عثمان، وزاد فيه من المشرق شيئاً وبنى المقصورة بلبن مطبوخ وجعل فيها طيقاناً ينظر الناس منها إلى الإمام، وكان يصلي فيها خوفاً من الذي أصاب عمر، وكانت صغيرة، وجعل عمد المسجد أعمدة الحديد فيها الرصاص، وباشر العمل بنفسه، وكان يصوم النهار ويقوم الليل؛ وكان لا يخرج من المسجد.
ولم يزل كذلك المسجد الشريف إلى أيام الوليد، فبعث بمال جزيل إلى عمر ابن عبد العزيز - وكان عامله على مكة والمدينة إذ ذاك - وقال له: زد في المسجد، ومن باعك فأعطه ثمنه، ومن أبة فاهدم عليه ,اعطه المال، فإن أبى أن يأخذ فاصرفه إلى الفقراء.
وأرسل الوليد إلى ملك الروم يقول له: إنا نريد أن نعمر مسجد نبينا الأعظم فأعنا بعمال وفسيفساء، فبعث إليه بضعة وعشرين ...
__________
(1) القصة - بفتح القاف وتشديد الصاد مفتوحة - الجص وسمى موضع قرب المدينة بذي القصة لأنه كان به قصة: أي جص من وفاء الوفاء ص 501.