127 ...
فصل في ظهور نار الحجاز
ومن الحوادث العظيمة المهولة (أو الهائلة) أنه لما كان ليلة الأربعاء ثالث جمادي الآخرة من عام سنة 654هـ أربع وخمسين وستمائة هجرية، حدثت بالمدينة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة ورجفة قوية أشفق الناس منها ووجلت القلوب من صدمتها وانزعجت الخلائق لهيبتها وبقيت باقي الليل تزلزل وتمت إلى يوم الجمعة ولها دوي مثل دوي الرعد القاصف.
ثم ظهرت نار عظيمة مثل المدينة العظيمة من صدور واد يقال له وادي الأحيليين (1) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء وكسر اللام وفتح ثانيه وسكون ثالثه بعدها نون، وذلك في الحرة الشرقية، وسالت هذه النار من مظهرها إلى جهة الشمال فخاف أهل المدينة واستولى عليهم الوجل والإشفاق وأيقنوا أن العذاب قد احاط بهم فرجع أميرهم إلى الله تعالى بالتوبة والإنابة وأعتق جميع مماليكه ورد المظالم إلى أربابها وهبط من القلعة مع القاضي وأعيان البلدان والتجأوا إلى ربهم وباتوا بالمسجد الشريف جميعهم، رجالهم، ونساؤهم، وأولادهم، بحيث لم يبق أحد لا في النخل ولا في المدينة، إلا وقد حضر بمسجد النبي الكريم وأبصر هذه النار أهل مكة وأهل الفلوات في نواحيهم ثم سال منها نهر من نار ...
__________
(1) وادي الاحيليين: وهو الوادي الذي اول ما انبجست منه النار التي يعبر عنها اليوم (بالبركان) وقد اخبر الشيخ صفى الدين أحد مدرسي بصري انهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من الحجاز صدق الرسول الأعظم قال تعالى (وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) وما هذه إلا إنذاراً ليتم به الانزجار.