كتاب عمدة الأخبار في مدينة المختار

128 ... في وادي أحيلين المتقدم ذكره وأهل المدينة يبصرونها من دورهم كأنها عندهم وبين أيدهم وأهل ينبع ينظرونها من بلدهم وهي ترمي بأمثال الجبال حجارة من نار تذكرهم قول الله تعالى (إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر) وبقيت مدة ثلاثة أشهر تدب في الوادي دبيب النمل تأكل ما مرت عليه من جبل أو حجر ولا تأكل الحشيش ولا الشجر والمش والقمر في المدة التي ظهرت فيها هذه النار ما يطلعان إلا كاسفين واستمرت هذه النار تأكل الأحجار والجبال وتسيل سيلاً ذريعاً في واد يكون قمداره أربعة فراسخ وعرضه أربعة اميال وعمقه قامه ونصف، ,هي تجري على وجه الأرض والصخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك (1) فإذا جمد صار أسود وقبل الجمود، لونه أحمر ولم يزل يجمع من هذه الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة قد قطعت في وسط وادي (2) الشظاة إلى جهة جبل وعيرة (3) فسدت الوادي المذكور سداً عظيماً من الحجر المسبوكب النار كسد ذي القرنين يعجز عن وصف بيانه الواصف ويرجع القلم فتنخرق هذا السد من تحته في سنة 690هـ تسعين وستمائة هجرية، لتكاثر الماء خلفه فجري في الوادي المذكور سنتين كاملتين؛ أما السنة الأولى سيلاً يملأ ما بين جانبي الوادي، وأما السنة الثانية فدون ذلك قال الشيخ جمال الدين المطري: أخبروني علم الدين سنجر قال أرسلني مولاي الأمير عز الدين بعد ظهور هذه النار بأيام ومعي شخص من العرب وقال لنا ونحن فرسان اقربا من هذه النار وانظرا هل يقدر أحد على القرب منها فإن الناس يهابونها فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها فلم نجد لها حراً، فنزلت عن فرسي، وسرت إلى أن وصلت اليها وهي تأكل الصخر ...
__________
(1) (الآنك) هو الرصاص المذاب.
(2) وادي الشظاة. هو تلقاء أحد, ابن كثير.
(3) (وعيرة) بالفتح وكسر العين المهملة وسكون المثناة تحت وفتح الراء ثم هاء جبل شرقي ثوراً أكبر منه وأصغر من احد. وإذا وصل بك السير إلي بركة الزبير وراء احد ترى الجبلين وهناك ايضاً الغابة المشهورة.

الصفحة 128