135 ... فقال له مالك: إنما هو من طرفاء الغابة وقد شد إلى هذه العيدان وسمر، فمتى نزعته خفت أن يتهافت فلا أرى تغييره فتركه على حاله، وذكر الشيخ جمال الدين المطري عن بعض المجاورين أن هذا المنبر تهافت على ممر السنين فجدده بعض خلفاء العباسيين واتخذ من بقايا أعواد منبر النبي صلى الله عليه وسلم أمشاطاً للتبرك بها، وهذا المنبر الذي جدده هذا الخليفة هو الذي ذكره الفقيه أبو الحسن محمد بن جبير، فإنه قال: رأيت منبر المدينة المشرفة في عام 578هـ ثمان وسبعين وخمسمائة هجرية، إرتفاعه من الأرض نحو القامة أو أزيد، وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، ودرجه ثمانية، وله باب على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة وطوله أربع أشبار ونصف شبر.
والمنبر مغشَّى بعود الأبنوس، ومقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعلاه ظاهر قد طبق عليه بلوح من الآبنوس، غير متصل به يصونه من القعود عليه، فيدخل الناس أيديهم إليه ويمسحون به تبركاً بلمس ذلك المقعد الكريم، وعلى رأس رجل المنبر اليمنى حيث يضع الخطيب يده إذا خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه الخياط التي يضعها في أصبعه تستدير في موضعها، يزعمون أنها كانت لعبة للحسن والحسين في حال خطبة جدهما ثلوات الله وسلامه عليهم انتهى وهذا المنبر احترق ليلة حريق المسجد الشريف وذلك في سنة 654هـ أربع وخمسين وستمائة هجرية فأرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة 656هـ ست وخمسين وستمائة هجرية، منبراً رمانتاه من الصندل، فنصب في موضع منبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل يخطب عليه عشر سنين، فلما كان في سنة 666هـ ست وستين وستمائة هجرية أرسل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري هذا المنبر الموجود اليوم، فقلع منبر صاحب اليمن، ونصب هذا المنبر مكانه وطوله أربعة أذرع في السماء، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع يزيد قليلاً، وعدد درجاته سبع بالمقعدة وفي جانبه الشرقي تجاه الحجرة الشريفة طاقة صغيرة مفتوحة مثمنة دورها يزيد على ذراع يقال إنها مثال لطاقة كانت بالمنبر الذي كان غشاء لمنبر النبي صلى الله عليه وسلم وللمنبر باب بمصراعين، ...