كتاب المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية (اسم الجزء: 3)
الشاهد الثالث والستون بعد الأربعمائة (¬1) , (¬2)
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا ... حتى شتتْ همّالةً عيْنَاهَا
أقول: هذا رجز مشهور بين القوم، ولم أر أحدًا عزاه إلى راجزه.
والضمير المنصوب في "علفتها" يرجع إلى الدابة التي يريدها الراجز, قوله: "حتى شتت" ويروى: حتى بدت، ومعناهما واحد, قوله: "همالة": من هملت العين إذا همرت، يعني: صبت دمعها.
الإعراب:
قوله: "علفتها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقوله: "تبنًا": مفعول ثان "وماء": عطف عليه، و "باردًا" صفته, قوله: "حتى": للغاية، والمعنى إلى أن شتت، و"شتت": فعل ماض، و"عيناها": كلام إضافي فاعله، و "همالة" نصب على التمييز (¬3).
الاستشهاد فيه:
في عطف الماء على التبن فلا يصح أن يقال: الواو (¬4) في قوله: "وماء" للمعية والمصاحبة؛ لانعدام معنى المصاحبة، ولا يشارك قوله: "وماء" فيما قبله، فتعين أن ينتصب بفعل مضمر يدل عليه سياق الكلام، وهو أن يقال: التقدير: علفتها تبنًا وسقيتها ماء.
وقال ابن عصفور: إنهم ذهبوا إلى أن الاسم الذي بعد الواو معطوف على الاسم الذي قبلها ويكون العامل [في الاسم] (¬5) الذي قبل الواو قد ضمن في ذلك معنى يتسلط على الاسمين، فيتضمن علفتها معنى أطعمتها؛ لأنه إذا علفها تبنًا فقد أطعمها، وكأنه قال: أطعمتها تبنًا وماء، ويقال: أطعمته ماء، قال اللَّه - سبحانه وتعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة: 249] (¬6).
¬__________
(¬1) ابن الناظم (113)، وأوضح المسالك (2/ 56)، وشرح ابن عقيل (2/ 207).
(¬2) البيتان من بحر الرجز المشطور بلا نسبة في الخصائص (2/ 431)، والدرر (6/ 79)، وشرح التصريح (1/ 346)، والإنصاف (357)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي (1147)، وشرح شواهد المغني (1/ 58)، والمغني (632)، وهمع الهوامع للسيوطي (2/ 130)، والخزانة (3/ 139)، ولهما رواية غير ذلك وهي:
لما حططت الرحل عنها واردًا ... علفتها تبنًا وماء باردًا
(¬3) نقد صاحب الخزانة العيني في هذا البيت في موضعين وهما: أن شتت بمعنى بدت، وإعرابه همالة تمييزًا، ثم قال: إن شتت بمعنى: أقامت شتاء، وهمالة حال. الخزانة (3/ 141).
(¬4) في (أ): إن الواو.
(¬5) ما بين المعقوفين سقط في (ب).
(¬6) ينظر ما قاله في شرح الجمل "الكبير" (2/ 453) حول قول الشاعر: "وماء باردًا"، وينظر معه شرح المقرب =