كتاب المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية (اسم الجزء: 4)
يا أباي؛ كما يقال: يا فتاي (¬1)، وقال الفارسي: رد اللام وقلبها ألفًا كما تقلب في: قطاة ونحو ذلك (¬2).
قال ابن سيده: وذهب أبو عثمان المازني في قراءة من قرأ: {يَا أَبَتِ} [مريم: 43] بفتح التاء إلى أنه أراد: يا أبتاه فحذف الألف، وقوله: "تقول ابنتي .. إلخ" أراد: يا أبتا، فقدم الألف وأخر الثاء (¬3)، وقال أبو حيان: وزعم بعض رواة اللغة من البغداديين أن قول الشاعر: (يا أبات) إنما أراد: يا أبتي فقلب، وهذا ممتنع بعيد؛ لأنه يلزم على هذا أن تكون تاء التأنيث قد لحقت بعد الياء التي هي اسم المتكلم، وهذا لا يجوز، ولم يوجد في موضع، ومع ذلك فإن التاء في: يا أبت في تقدير الإضافة، وقال أبو حيان: والأصل في مثل هذا البيت النادر تخريجه على الإشباع؛ كما قال: أعوذ بالله من العقراب، وقال سيبويه: لا يكادون يقولون يا أبات (¬4).
الشاهد الثالث والخمسون بعد التسعمائة (¬5)، (¬6)
....................... ... ............ يا عُمَرُ الْجَوَادَا
أقول: قائله هو جرير بن عطية الخطفي، وتمامه (¬7):
فَمَا كَعْبُ بنُ مامَةَ وابنُ سُعْدَى ... بأَكْرَمَ منكَ يا عُمَرُ الجَوَادَا
وهو من قصيدة يمدح بها جرير عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وقبله:
1 - يعودُ الحِلمُ منك على قريشٍ ... وتفرجُ عنْهمُ الكُرَبَ الشِّدَادَا
2 - وقد أمَّنْتَ وَحْشَهُمُ برفقٍ ... وَيُعْيي النَّاسَ وَحْشُكَ أن يُصَادا
¬__________
(¬1) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (3/ 407).
(¬2) قال الفارسي في شرح الأبيات المشكلة الإعراب (170): "ووجه آخر وهو أنَّه يجوز أن يكون رد لام المفعل مع التاء في المفرد كما ورد مع الهاء التي للجمع مثل أخوات، ونطر ذلك ما أنشد أبو زيد وأبو الحسن (البيت) فرد اللام مع تاء التأنيث".
(¬3) ارتشاف الضرب (3/ 272)، قال بعد أن أنشد البيت: "أراد يا أبت، فأقحم الألف"، وانظر كلام المازني وتوجيهه للقراءة في لسان العرب: "أبو".
(¬4) الكتاب (2/ 211)، ونصه: "لا يكادون يقولون يا أباه، وهي قليلة في كلامهم".
(¬5) توضيح المقاصد (3/ 285)، وأوضح المسالك (4/ 23).
(¬6) البيت من بحر الوافر، من قصيدة لجرير في مدح عمر بن عبد العزيز، ذكر الشارح بعض أبياتها، وقد سبق ذكرها وبعض أبياتها في الشاهد رقم (791)، وانظر بيت الشاهد في المقتضب (4/ 208)، والمغني (19)، والهمع (1/ 176)، والدرر (3/ 34)، والتصريح (2/ 169)، وشرح شواهد المغني (56).
(¬7) انظر القصيدة في ديوان جرير (117)، تحقيق: د. نعمان طه، دار المعارف، والأبيات المذكورة متباعدة ومختلفة في بعض مفرداتها عن الديوان.