كتاب المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية (اسم الجزء: 4)
التحذير وإن كان حقه النصب؛ كما في قوله تعالى: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13]، فنصب الناقة على التحذير، وكل محذر فهو منصوب، ولو رفع على إضمار هذه ناقة الله لجاز كما ذكرنا؛ كذا قاله الفراء ثم أنشد البيتين المذكورين (¬1)، وكأنه جعل الإغراء تحذيرًا من حيث المعن؛ لأن من أمرته بلزوم الأمر فقد حذرته من تركه. فافهم (¬2).
الشاهد الخامس والتسعون بعد التسعمائة (¬3)، (¬4)
خَلِّ الطَّرِيقَ لِمَنْ يَبْنِي المَنَارَ بِهِ ... وابْرُزْ بِبَرْزَةَ حَيْثُ اصْطَرَّكَ القَدَرُ
أقول: قائله هو جرير بن الخطفي (¬5)، وهو من البسيط.
قوله: "المنار" بفتح الميم وتخفيف النون على وزن مفعل؛ من الاستنارة، وأراد به هاهنا حدود الأرض، و "البرزة": الأرض الواسعة (¬6).
الإعراب:
قوله: "خلِّ": جملة من الفعل والفاعل، و "الطريق": مفعوله، واللام في "لمن": تتعلق بخل، و "يبني المنار": جملة من الفعل والفاعل والمفعول صلة للموصول، قوله: "به" أي: فيه، أي: في الطريق.
قوله: "وابرز": عطف على قوله: "خل"، قوله: "ببرزة" أي: في برزة، وقوله: "اضطرك القدر": جملة من الفعل والمفعول والفاعل وهو القدر.
والاستشهاد فيه:
في قوله: "خل الطريق" حيث أظهر فيه الفعل الناصب.
¬__________
(¬1) قال الفراء: "نصبت الناقة على التحذير حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب، ولو رفع على ضمير هذه ناقة الله فإن العرب قد ترفعه، وفيه معنى التحذير؛ ألا ترى أن العرب تقول: هذا العدو فاهربوا وفيه تحذير، وهذا الليل فارتحلوا فلو قرأ قارئ بالرفع كان مصيبًا، أنشدني بعضهم: (البيتين) فرفع، وفيه الأمر بلباس السلاح". ينظر معاني القرآن (3/ 268، 269).
(¬2) راجع شرح الأشموني بحاشية الصبان (3/ 193).
(¬3) أوضح المسالك (4/ 73).
(¬4) البيت من بحر البسيط، من قصيدة طويلة لجرير يهجو بها عمر بن لجأ، وانظر بيت الشاهد في الكتاب (1/ 254)، والتصريح (2/ 195)، واللسان: "برز"، وابن يعيش (2/ 30)، وشرح الأشموني (3/ 191).
(¬5) ينظر ديوانه (211) ط. دار الكتب العلمية بشرح مهدي محمد ناصر، وأيضًا ديوانه دار المعارف (211)، تحقيق: د. نعمان طه.
(¬6) الصواب أن برزة هي أم عمر بن لجأ التميمي الذي هجاه جرير بهذه القصيدة، ودليل ذلك البيت الذي قبله هو قوله:
أنت ابن برزة منسوب إلى لجأ ... عند العصارة والعيدان تعصر