كتاب المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية (اسم الجزء: 4)

وقال أبو حيان: ويحتمل وجهًا آخر من الإعراب؛ فلا يكون جمعًا بين اللغتين بل يكون بناه في البيت، ويكون وبار فعلًا ماضيًا؛ لأن المعنى أن الدهر أهلك أهل وبار، ولا يريد بذلك المكان وإنما المراد أهله، وأعاد الضمير في هلكت مؤنثًا على وبار مراعاة للفظ وبار، ثم أعاد الضمير جمعًا على الأهل المحذوف؛ أي: وبار أهلها، أي: هلكوا؛ على جهة التأكيد من حيث المعنى، ونظيره قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] فأهلكناها نطره: فهلكت، و"هم" نظير وبار.
ويحتمل أن يكون الضمير في: "وبار" لا يعود على محذوف بل على ما علم من سابق الكلام وهم أهل وبار، فيكون قد أخبر بأن البلد هلك بخرابه وهلك أهله بموتهم وفنائهم (¬1).

الشاهد الثاني والأربعون بعد الألف (¬2) , (¬3)
قدْ عَجِبَتْ مِنِّي ومِنْ يُعَيْلِيَا ... لما رأتني خَلقًا مُقْلَوْلِيا
أقول: أنشده سيبويه ولم يعزه إلى قائله (¬4)، وهو من الرجز المسدس.
قوله: "يعيليا" بضم الياء آخر الحروف وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وكسر اللام وتخفيف الياء آخر الحروف، وهو مصغر يعلى؛ اسم رجل.
قوله: "خلقًا" بفتح الخاء واللام وبالقاف، يقال: ثوب خلق، إذا كان عتيقًا جدًّا، وأراد:
¬__________
= أهل الحجاز، وهؤلاء يبنونه على الكسر مطلقًا، وشاهدهم (إذا قالت حذامِ)، والثانية: لغة تمنعه من الصرف بشرط ألا يكون مختومًا بالراء وهي لغة تميم، وقد اختلف في علة منعه من الصرف على هذه اللغة؛ فقيل: إن سبب المنع هو العلمية والعدل، وقيل: إن سبب المنع هو العلمية والتأنيث المعنوي كالشأن في: زينب وسعاد وغيرهما، أما إن كانت صيغة فعال مختومة بالراء مثل: وبار علم قبيلة عربية -اللسان: وبر- فأكثر التميمين يبنيه على الكسر، وقد اجتمعت اللغتان -أي الإعراب مع عدم الصرف والبناء- في قول الأعشى (البيت) وفي هذا يقول سيبويه: "فأما ما آخره راء فإن أهل الحجاز وبني تميم فيه متفقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز؛ كما اتفقوا في يرى، والحجازية هي اللغة الأولى القُدْمَى، فزعم الخليل أن إجناح الألف أخف عليهم -يعني الإمالة- ليكون العمل من وجه واحد، فكرهوا ترك الخفة وعلموا أنهم إن كسروا الراء وصلوا إلى ذلك وأنهم إن رفعوا لم يصلوا، وقد يجوز أن ترفع وتنصب ما كان في آخره الراء. قال الأعشى (البيت) والقوافي مرفوعة ... ". الكتاب (3/ 278، 279)، وينظر الأمالي الشجرية (361)، والممنوع من الصرف (137، 138).
(¬1) التذييل والتكميل: الجزء الخامس، باب منع الصرف.
(¬2) ابن الناظم (259)، وتوضيح المقاصد (4/ 168)، وأوضح المسالك (4/ 138).
(¬3) البيتان من بحر الرجز المشطور، وقد نسبا للفرزدق، ولكنهما ليسا في ديوانه، وانظرهما في الكتاب (3/ 315)، والخصائص (1/ 6)، والمقتضب (1/ 142)، والممتع (557)، والمنصف (2/ 68)، وشرح التصريح (2/ 228)، والدرر (1/ 102)، وشرح الأشموني (3/ 273)، واللسان مادة: "علا".
(¬4) انظر الشاهد المذكور في الكتاب (3/ 315) (هارون).

الصفحة 1836