كتاب المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية (اسم الجزء: 1)

جعله حسنًا، وها هنا كيف يقال: أي شيء جعل اللَّه قادرًا! وصفات الله قديمة؟!
قلت: هذا السؤال وارد على قول الفراء؛ حيث جعل "ما" في باب التعجب استفهامية (¬1) وهو ضعيف لاقتضاء الاستفهام الجواب (¬2)، والوجه في ذلك ما قاله سيبويه، وهو ما في قولك: ما أحسن زيدًا! نكرة معناه: شيء أحسن زيدًا، وهو في محل الرفع على الابتداء، وما بعده خبره (¬3)، والمسوغ لذلك كون القصد منه التعجب لا الإخبار المحض.
واشتراط تعريف المبتدأ إنما هو في الخبر المحض، وأما على قول الفراء فالتقصي عن ذلك بأن يقال: إن العباد اعتقدوا عظمة اللَّه وقدرته، وأنهما قديمتان ولا يخطر بالبال أن شيئًا صيره كذلك وقد خفي علينا، وكال: ما أقدر اللَّه! لفظة تعجب ومعناه: الطلب والتمني، ثم [إن] (¬4) "ما" نكرة بمعنى شيء، والضمير في "أقدر" يرجع إليه، ولفظة "الله" مفعوله.
قوله: "أن يدني" أي: على أن يدني، فحذف الجار، ومثل هذا الحذف يكثر مع أن لطوله بصلته، و "أن" مصدرية. والتقدير: ما أقدر اللَّه على إدناء من داره الحزن ممن داره صول! أراد: أن يدني من هو مقيم بالحزن ممن هو مقيم بالصول، قوله: "على شحط" يتعلق بقوله: "يدني" وموضعه النصب على الحال، قوله: "من داره الحزن" كلمة "من" موصولة، و "داره" كلام إضافي مبتدأ و "الحزن" خبره والجملة صلة الموصول، والموصول مع صلته في محل النصب على أنها مفعول لقوله: يدني.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن يدني" حيث أثبت الشاعر [فيه] (¬5) الياء ساكنة مع تقدير النصب، وهو قليل (¬6).
¬__________
(¬1) هو مذهب الفراء وابن درستويه، ونقله في شرح التسهيل لابن مالك عن الكوفيين. ينظر (32/ 3)، توضيح المقاصد (3/ 56)
(¬2) هو اعتراض على قول الفراء.
(¬3) قال سيبويه: "هذا باب ما يعمل عمل الفعل ولم يجر مجرى الفعل ولم يتمكن تمكنه وذلك قولك: ما أحسن عبد الله! زعم الخليل أنه بمنزلة قولك: شيء أحسن عبد الله، ودخله معنى التعجب". الكتاب لسيبويه (1/ 72) وينظر الجنى الداني (337)، والإنصاف (128).
(¬4) و (¬5) ما بين المعقوفين سقط في (أ).
(¬6) الأولى في المضارع المعتل الآخر بالياء (المنصوب) أن يكون منصوبًا بفتحة ظاهرة، وتقدير نصب الياء ضرورة.
ينظر توضيح المقاصد (1/ 119).

الصفحة 261