كتاب المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية (اسم الجزء: 1)

قال: "وإنما أدافع أنا عن أحسابهم" لصار المعنى إلى أنه يزعم أن المدافعة تكون عن أحساب غيرهم؛ كما إذا قال: وما أدافع إلا عن أحسابهم، وليس ذلك مقصوده، بل مقصوده أنه يزعم أن المدافعَ هو لا غيره.
فإن قلتَ: لمَ لا يجوز أن يكون ذلك للضرورة؟
قلتُ: لا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأن أدافع ويدافع واحد في الوزن.
فإن قلتَ: كان يمكنه أن يقول: فإنما أدافع عن أحسابهم أنا، فيقدم الأحساب على أنا.
قلتُ: لو كان كذلك كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، وكان "أنا" الظاهر تأكيدًا له والحكم يتعلق بالمؤكد دون التأكيد؛ لأن التأكيد كالتكرير، فلا يجيء إلا بعد نفوذ الحكم، فلا يكون تقديم: "عن أحسابهم" على الضمير الذي هو تأكيد تقديمًا على الفاعل؛ لأن تقديم المفعول (¬1) على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل، لا بعد أن تذكر الفاعل، وقبل أن تذكر تأكيده، ولا سبيل لك إذا قلت: أنا أدافع عن أحسابهم إلا (¬2) أن تذكر المفعول قبل ذكر الفاعل؛ لأن ذكر الفاعل هنا هو ذكر الفعل، من حيث إنه مستكن في الفعل فكيف يتصور تقديم شيء عليه؟ (¬3).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وإنما يدافع عن أحسابهم أنا" حيث أتى فيه بضمير منفصل لغرض القصر فلم يتأت له الاتصال لمعنى إلا؛ لأنا قد قلنا: إن معنى: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا: ما يدافع [عن أحسابهم] (¬4) إلا أنا. فافهم فإنه دقيق (¬5)، وقال الشيخ عبد القاهر (¬6): ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأنه ليس به ضرورة، وقد حققناه (¬7).
¬__________
(¬1) في (أ): لأن تقديمه على الفاعل.
(¬2) في (أ، ب): إلى.
(¬3) ينظر دلائل الإعجاز (328 - 330)، تحقيق: محمود شاكر، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب. ويراجع المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي (228) تحقيق: د. حسن هنداوي.
(¬4) ما بين المعقوفين سقط في (ب).
(¬5) ينظر البيت في: شرح التسهيل لابن مالك (1/ 148).
(¬6) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي وإمام البلاغيين، له في النحو: المقتصد في شرح الإيضاح، وفي البلاغة دلائل الإعجاز وغيره (ت 470 هـ). ينظر بغية الوعاة (2/ 106).
(¬7) قال الإمام عبد القاهر: "وإذا استبنت هذه الجملة عرفت منها أن الذي صنعه الفرزدق في قوله: ( ... البيت) شيء لو لم يصنعه لم يصح له المعنى ذلك؛ لأن غرضه أن يخص المدافع لا المدافع عنه، ولو قال: إنما أدافع عن أحسابهم لصار المعنى أنه يخص المدافع عنه، وأنه يزعم أن المدافعة منه تكون عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، كما يكون إذا قال: وما أدافع إلا عن أحسابهم، وليس ذلك معناه إنما معناه أن يزعم أن المدافع هو لا غيره فاعرف ذلك، فإن الغلط =

الصفحة 284