كتاب تاريخ الإسلام ت بشار (اسم الجزء: 12)

-فائدة:
ذكر تاج الدّين بْن حَمُّوَيْه أنّه سَأَلَ ابن عطيَّة الكاتب: ما بال هَذِهِ البلاد، يعني المغرب، ليس فيها أحدٌ من أَهْل الذّمَّة ولا كنائس ولا بيَع؟ فقال: هَذِهِ الدّولة قامت على رهبةٍ وخُشونة. وكان المهديّ قد قال لأصحابه: إنّ هؤلاء الملثَّمين مبتدِعة مجسمة مشبِّهة كَفَرة، يجوز قتْلهم وسَبْيهم بعد أن يُعرضوا على الْإِيمَان. فلمّا فعل ذلك، واستولوا على السّلاطين بعد موت المهديّ، وفتح عَبْد المؤمن مَرّاكُش، أحضر اليهود والنّصارى، وقال: أَلَسْتُم قد أنكرتم، يعني أوائلكم، بعثة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ودفعتم أن يكون هُوَ الرَّسُول الموعود به فِي كتابكم، وقلتم: إنّ الّذي يأتي إنّما يأتي لتأييد شريعتنا وتقرير مِلّتنا؟ قَالُوا: نعم. قال: فأين منتظركم إذًا؟ سيما وقد زعمتم أنه لا يتجاوز خمسمائة عام. وهذه خمس -[1060]- مائة عام قد انقضت لِمِلّتنا، ولم يأتِ منكم بشير ولا نذير. ونحن لا نقركم على كُفركم، ولا لنا حاجة بجزيتكم، فإمّا الْإِسْلَام، وإمّا القتل.
ثمّ أجّلهم مدَّة لتخفيف أثقالهم، وبَيْع أملاكهم، والنّزوح عن بلاده. فأمّا أكثر اليهود، فإنّهم أظهروا الْإِسْلَام تَقِيَّة، فأقاموا على أموالهم، وأمّا النّصارى فدخلوا إِلَى الأندلس، ولم يُسلم منهم إلّا القليل. وخربت الكنّائس والصّوامع بجميع المملكة، فَلَيْس فيها مشرِك ولا كافر يتظاهر بكُفْره إلى بعد الست مائة، وهو حين انفصالي عن المغرب.
قال عَبْد الواحد: وإنّما حمل أَبَا يوسف على ما صنعه بهم شكُّه فِي إسلامهم. وكان يقول: لو صحّ عندي إسلامُهم لتركتهم يختلطون بْنا فِي أنكحتهم وأمورهم. ولو صحَّ عندي كُفْرهم لقتلتهم، ولكنّني متردِّد فيهم، ولم ينعقد عندنا ذمَّة ليهوديّ ولا نصرانيّ منذ قام أمر المصامدة، ولا فِي جميع بلاد المغرب بِيعة ولا كنيسة، إنّما اليهود عندنا يُظهرون الْإِسْلَام، ويُصلّون فِي المساجد، ويُقرئون أولادهم القرآن جارين على مِلّتنا وسُنّتنا، والله أعلم بما تكن صدورهم.
قلت: ما ينبغي أن يسمى هؤلاء يهود أبدًا، بل هُمْ مسلمون.

الصفحة 1059