كتاب تاريخ الإسلام ت بشار (اسم الجزء: 12)

246 - إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن مهران، الإمام رضي الدين أبو طاهر الجزَري الفقيه الشافعي. [المتوفى: 577 هـ]
تفقه وبرع على شيخه أبي القاسم ابن البزْري، ثم تفقه ببغداد بالنظامية. وسمع من الكروخي. ودرس ببلده وساد بعد ابْن البزري.
مات فِي المحرم عَن أربعٍ وستين سنة.
ذكره الفرضي.
247 - إسماعيل، الملك الصالح نور الدين، أبو الفتح ابن الملك العادل نور الدين محمود بْن زنكي التركي. [المتوفى: 577 هـ]
خَتنه أَبُوهُ فِي سنة تسعٍ وستين، وسر به، وزينوا دمشق، وكان وقتًا مشهودًا وهو يوم عيد الفِطْر. وزُينت دمشق أيامًا وضُرِبت خيمة بالميدان، وصلى هناك بالناس شمس الدين قاضي العسكر، وخَطَب، ثم مُدَّ السّماط العام، وأُنِهبَ على عادة التُّرْك. وعاد نور الدين إلى القلعة فمد سماطه الخاص، ولعب من الغد بالكرة، فاعترضه برتقش أمير آخر وقال له: باش. فاغتاظ بخلاف عادته، وزبر برتقش، ثم ساقَ ودخل القلعة، فما خرج منها إلَّا ميتًا.
وتُوُفي نور الدين بعد الخِتان بأيام، فحلف أمراء دمشق لابنه أنْ يكون فِي السَّلْطَنة بعده، وهو يومئذ صبي، ووقعت البطاقة إلى حلب بموت نور الدين، ومتوليها شاذبخت الخادم، فأمر بضرب البشائر، وأحضر الأمراء والعلماء وقال: هذا كِتَاب من السلطان بأنه ختن ولده وولاّه العهد بعده. ومشى بين يديه فسروا بذلك ثم قال تحلفون له كما أمر بأن حلب له؟ فحلفوا كلهم فِي الحال. ثم قام إلى مجلس فلبس الحِداد، وخرج إليهم وقال: يُحسِن الله عزاكم في الملك العادل وبكى.
وأما صلاح الدين فسار إلى الشام ليكون هو المدبّر لدولة هذا الصبي، ويستولي على الأمور.
ووقعت الفتنة بحلب بين السنة والرافضة. ونهبت الشيعة دار قطب -[597]- الدين ابن العجمي، ودار بهاء الدين ابن أمين الملك. ونزل جماعة من القلعة وأمَرهُم الأمير شمس الدين علي بْن مُحَمَّد ابْن الداية والي القلعة أن يزحفوا إلى دار أبي الفضل ابن الخشاب رئيس الشيعة، فزحفوا إليها ونهبوها، واختفى ابْن الخشاب.
ثم وصل الصالح إِسْمَاعِيل إلى حلب فِي ثاني المحرم من سنة سبعين، ومعه سابق الدين عثمان ابْن الداية، فقبض عَلَيْهِ، وصعِد القلعة، وظهر ابْن الخشاب، وركب فِي جَمْعٍ عظيم إلى القلعة، فصعدِ إليها، والشيعة تحت القلعة وُقُوف. فَقُتِلَ بها ابْن الخشاب وتفرق ذلك الْجَمْع. وسُجِن شمس الدين علي ابن الداية وأخواه: سابق الدين عثمان، وبدر الدين حَسَن.
ودخل السلطان صلاح الدين دمشق فِي سلخ ربيع الآخر، ثم سار إلى حمص فملكها. ثم نازلَ حلب فِي سَلْخ جُمادى الأولى، فنزل الملك الصالح إلى البلد، واستنجد بأهل البلد، وذكرهم حقوق والده، فوعدوه بالنَّصْر، وجاءته النجدة من ابْن عمّه صاحب الموصل مع عز الدين مَسْعُود بْن مودود. فرد السلطان صلاح الدين إلى حماه، وتِبعه عز الدين مَسْعُود، فالتقوا عند قرون حماه فِي رَمَضَان. فانكسر عز الدين وانهزم، ورد صلاح الدين فنازل حلب، فصالحوه وأعطوه المَعَرَّة، وكَفَرْطاب، وبارين.
ثم جاء صاحب الموصل سيف الدين غازي فِي جيشٍ كثيف، وجاء صلاح الدين بعساكره، فالتقوا فِي شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسر صاحب الموصل على تل السلطان، وسار صلاح الدين، فأخذ منبج، ثم نازل عزاز ففتحها، ثم نازل حلب فِي ذي القعدة، وأقام عليها مدة. وبذل أهلها المجهود فِي القتال، بحيث أنهم كانوا يحملون ويصلون إلى مخيم صلاح الدين، وأنه قبض على جماعة منهم، فكان يشرح أسافل أقدامهم، وَلَا يمنعهم ذلك عَن القتال، فلما ملَّ صالَحَهُم وسار عَنْهَا. وخرجت إليه أخت الملك الصالح، وكانت طفلة، فأطلق لها عزاز لما طَلَبَتْها منه. وكان تدبير أمر حلب إلى والدة الصالح، وإلى شاذبخت، وخالد ابن القيسراني. -[598]-
ثم إن الصالح مرض بالقولنج جُمعَتَين، ومات فِي رجب من سنة سبْع، وتأسَّفوا عَلَيْهِ، وأقاموا عليه المآتم، وفرشوا الرَّماد فِي الأسواق، وبالغوا فِي النوح عَلَيْهِ. وكان أمرًا مُنْكَرًا.
وكان ديِّنًا، عفيفًا، ورِعًا، عادلًا، محببًا إلى العامة، متِبعًا للسنة، رَحِمَهُ اللَّهُ، ولم يبلغ عشرين سنة.
وَذَكَرَ الْعَفِيفُ بْنُ سُكَّرَةَ الْيَهُودِيُّ، لَا رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يُطَبِّبُهُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلانَا، وَاللَّهِ شِفَاؤُكَ فِي قَدَحِ خَمْرٍ، وَأَنَا أَحْمِلُهُ إِلَيْكَ سِرًّا، وَلَا تُعْلِمْ وَالِدَتَكَ، وَلَا اللالا، ولا أحد. فَقَالَ: كُنْتُ أَظُنُّكَ عَاقِلًا، نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا ". وَتَقُولُ لِي أَنْتَ هَذَا. وَمَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ أَشْرَبَهُ وَأَمُوتُ وَهُوَ فِي جَوْفِي؟!.
وقيل: تُوُفي وَلَهُ قريبٌ من ثماني عشر سنة. فتملك حلبَ بعده عز الدين مَسْعُود ابْن عمّه مودود.

الصفحة 596