كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه (اسم الجزء: 12)

السلام كان أطيب الناس طعاماً، إنَّما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معاشهم (¬1).
وقال الزمخشري في "الفائق": في الحديث أنَّ الله - عز وجل - قال لأيوب عليه السلام: إنه لا ينبغي أن يخاصمني إلَّا من جعل الزيار في فم الأسد والسحال في فم العنقاء (¬2).
الزيار: ما يشد به البيطار محنكة الدابة وزيره إذا شُد به.
والسحال يعني: السحل، وهي الحلقة المدخلة في الأخرى على طرف شكيمة اللجام، وهما مسحلان في طرفيها (¬3).
قلت: والتمثيل الذي وقع في الحديث المذكور إنما هو من باب التقريب والتعجيز للعبد، وإلا فإنَّ العبد لا ينبغي له مخاصمة الله - عز وجل - أصلاً ولا يستطيعها؛ فإنَّ الله عزيز، ولكن لما كان وضع الزيار في فم الأسد والمسحلين بشكيمها في فم العنقاء بعيداً جداً حتى يعد في العادة مستحيلاً - وإن كان ممكنًا في نفسه - مَثَّل لذلك كأنَّه يقول: إذا كان العبد عاجزاً عن مثل ذلك فلا قدرة له على مخاصمة الله العزيز الجبار، فليستقل من مخاصمته وليرجع إلى مسالمته؛ فإنه لا قِبَل له بغير ذلك.
¬__________
(¬1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (5/ 123).
(¬2) رواه الطبري في "التفسير" (17/ 63) عن وهب بن منبه.
(¬3) انظر: "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (2/ 142).

الصفحة 230