والاستغفار، ولما كان أكثر أصحاب الأموال يغفلون في نعمهم ونعيمها ورغدها عن الله تعالى وعن طاعته، وينهمكون في معاصيه لو لم يكن إلا منع الزكوات والحقوق كان من عقاب أكثرهم ابتلاؤهم بالفقر والحاجة خصوصا عند الموت، وفي أواخر العمر عند الهرم والضعف، فأعظم نعمة في الدنيا سبوغ النعمة في أواخر العمر، ولذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ اجْعَلْ أَوْسعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي وَانْقِطَاعِ عُمُرِيْ". رواه الحاكم وصححه، من حديث عائشة رضي الله عنها (¬1).
ولا يتنعم العبد بسعة رزقه إلا إذا قنع به ولم تتشوف نفسه إلى الزيادة؛ فإنه متى لم يقنع وتشوَّف إلى الزيادة انفتح عليه باب الطمع، فلا يتلذذ بما هو فيه، بل يتعذب بالتطلع إلى غيره، ومن هنا كانت القناعة كنزاً لا يَفنى، وكان القنع غنى.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو: "اللهُمَّ قَنِّعْنيْ بما رَزَقْتَنيْ، وَبَارِكْ ليْ فِيْهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ بخَيرٍ" (¬2).
¬__________
(¬1) رواه الحاكم في "المستدرك" (1987)، وكذا الطبراني في "المعجم الأوسط" (3611). وحسن الهيثمي إسناده في "مجمع الزوائد" (10/ 182). ورواه البيهقي في "الدعوات الكبير" (1/ 174) وقال: عيسى بن ميمون منكر الحديث.
(¬2) ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (2728)، والحاكم في "المستدرك" (1878).