كتاب المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (اسم الجزء: 12)

ويناقش:
بأن هذا القول من المالكية ليس في موضع النزاع، فالخلاف بين الجمهور والمالكية في الحكم التكليفي في استقراض الوديعة دون إذن صاحبها، فمنعه الجمهور، وكرهه المالكية بالشروط السابقة، ومنهم من أجازه، ونحن لا نحرم على البنك أن يستقرض ما سلمه إليه العميل؛ لأن صاحبه إن لم يأذن في التصرف لفظًا فقد أذن بحكم العرف، والشرط العرفي كالشرط اللفظي.
وأما التكييف الفقهي للوديعة فالمالكية يتفقون مع الجمهور بأن الوديعة بعد استقراضها تحولت من وديعة إلى قرض، ولم تبق وديعة، وأنتم إنما تريدون أن تحتجوا بأن مسمى الوديعة ما زال باقيًا مع استقراض المودَع، وأن استقراض المودع عندكم لا يحولها إلى قرض، وهذا لا يتفق مع مذهب المالكية، فلا يسوغ لكم الاحتجاج بمذهب المالكية، ولا يتفق مع طبيعة عقد الوديعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخلاف في كون الدراهم لا تتعين بالتعيين إنما يجري في باب المعاوضات، أما في باب الوديعة فإن الرد متعلق
---------------
=وقد روى أشهب عن مالك في العتبية أنه قال: ترك ذلك أحب إلي، وقد أجازه بعض الناس، فروجع في ذلك فقال: إن كان له مال فيه وفاء، وأشهد، فأرجو أن لا بأس به.
ووجه الكراهية: ما احتج به القاضي أبو محمد؛ لأن صاحبها إنما دفعها إليه؛ ليحفظها لا لينتفع بها, ولا ليصرفها فليس له أن يخرجها عما قبضها عليه.
وفي المدونة من رواية محمد بن يحيى، عن مالك من استودع مالًا أو بعث به معه، فلا أرى أن يتجر به، ولا أن يسلفه أحدًا, ولا يحركه عن حاله؛ لأني أخاف أن يفلس أو يموت فيتلف المال ويضيع أمانته.
ووجه الرواية الثانية أنا إذا قلنا: إن الدنانير والدراهم لا تتعين؛ فإنه لا مضرة في انتفاع المودع بها إذا رد مثلها، وقد كان له أن يرد مثلها ويتمسك بها مع بقاء أعيانها".
وانظر منح الجليل (٧/ ١٠).

الصفحة 267