كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 12)
مالك فقد كتب العلم، وأمَّا الشافعي فمنِّي وإليَّ (¬1).
قلت: هذا من قلَّة فهم الخطيب والذي رأى المنام؛ لأنَّه كيف يُظَنُّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لا يعرفُ أبا حنيفة، أليس قد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "تُعرَضُ عليَّ أعمالُ أمتي يوم الاثنين والخميس" (¬2)؟ فلا بدَّ أن يَعْرفَ من يعرض عليه من أمَّته (¬3)، ثمَّ هذا معارَضٌ بما رَوى الفضلُ بن خالد قال: كنتُ أبغضُ أبا حنيفة، فرأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال لي: إنَّ كلامَ أبي حنيفة ككلام لقمان الحكيم، لا بل يزيدُ عليه، فرجعتُ إلى عند أبي حنيفة (¬4).
وقد قال العوَّام بن حوشب: اذكروا محاسن السلف؛ لتجمعوا القلوبَ عليهم، ولا تذكروا مساوئَهم فتنفِّروا النفوس عنهم.
انتهت ترجمةُ أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
* * *
¬__________
(¬1) تاريخ بغداد 5/ 380 (ترجمة أحمد بن عبد الله بن علي الفرائضي).
(¬2) لم أقف عليه، ولعله يريد ما أخرجه الحارث في مسنده (953 - بغية الباحث) من حديث بكر بن عبد الله المزني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما كان من حسن حمدت الله عليه، وما كان من سيء استغفرت الله لكم". قال البوصيري في اتحاف الخيرة المهرة 7/ 74: هذا مرسل ضعيف، جسر بن فرق القصَّاب أبو جعفر البصري؛ مجمع على ضعفه، ولم أر من وثقه.
(¬3) جاء في هامش (خ) ما نصه: لعله يريد أن كلًّا من الخطيب والترمذي حملا النفي الواقع في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رآه الترمذيُّ -على ظاهره، والذي ينبغي أن يحمل عليه الحمل على زيادة فضله، وعدم بلوغ التحمل إلى حقيقته ونهايته، والتعبير بصيغة التكلم من قبيل قوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} والله أعلم.
(¬4) ولا يخفى أن المنامات لا يعتمد عليها في إثبات فضيلة ولا في إنقاص منزلة.