كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 12)

عندك ما نفعناك (¬1).
وقال الهيثم: حجَّ عمر بن ذر فلما لبَّى قال: لبيك اللهمَّ لبيك، ما زلنا نهبُط واديًا، ونعلو شرفًا، ويبدو لنا علمٌ حتى أتيناك بها، نَقِبَةً أخفافها (¬2)، دَبِرةً ظهورُها (¬3)، ذبِلةً أسنمتُها، قد أتعبنَا أبداننا، وأنفقنَا أموالنا، وليس لنا همٌّ لذلك، بل أعظمُ المؤنة أن نرجع بالخسران، يا خير من نزل النازلون بفنائه.
وقال ابنُ أبي خيثمة: كان كلَّما لبَّى يقولُ ذلك، فيبكي ويُبكي الناس.
وقال ابن أبي خيثمة (¬4): قيل لعمر بن ذرّ: أيُّما أعجب إليك، البكاء للخائف أم الكمد؟ فقال: طولُ الكمَد؛ لأنَّه إذا بَكَى استراحَ، وإذا لم يبكِ لم يتسلّ. وأنشد: [من الطويل]
إذا رقَّ قلبُ المرء درَّت جفونُه ... دموعًا له فيها سُلُوٌّ من الكَمَدْ
وإنْ غصَّ بالأشجانِ من طول حُزنِه ... علاه اصفرارُ اللونِ في الوجهِ والجسَدْ
ذكر وفاته:
حكى ابنُ سعد أنه مات في سنة ثلاثٍ وخمسين ومئة (¬5).
وقال النضر بن شميل (¬6): في سنة أربعٍ وخمسين ومئة.
وقال ابن أبي خيثمة: لا يختلفون في خوفه وزهده وورعه.
وقال ابن سعد: كان مرجئًا [فمات] (¬7)، فلم يشهده سفيانُ الثوري ولا الحسنُ بن صالح بن حي، وكان ثقةً كثير الحديث.
¬__________
(¬1) انظر حلية الأولياء 5/ 108.
(¬2) نَقِبَ الخفُّ: تخرَّق، ونَقِب البعير: حفي. القاموس (نقب).
(¬3) الدَّبَرَة: قرحة الدابة والبعير، ودَبِرَ البعير يَدْبَرُ دَبَرًا فهو دَبِرٌ وأدبر، والأنثى: دَبِرَةٌ ودَبْرَاء، وإبلٌ دَبْرَى. اللسان (دبر).
(¬4) هو في الحلية 5/ 112، وتاريخ دمشق 54/ 21 (طبعة مجمع اللغة) من غير طريق ابن أبي خيثمة.
(¬5) طبقات ابن سعد 8/ 482.
(¬6) كذا، ولم أقف عليه.
(¬7) ما بين حاصرتين من طبقات ابن سعد 8/ 482.

الصفحة 252