كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 12)
في سنة خمسٍ وخمسين ومئة.
مِشعر بن كِدَام بن ظُهير
أبو سلمة، الكوفيُّ الزاهد العابد، ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة، قال: وقال سفيان بن عيينة: رأيتُ مسعرًا، وربَّما يجيئه الرجلُ فيحدِّثه بالشيء هو أعلم به منه، فيتسمَّع له وينصت.
قال: وقال الهيثم: لم يسمع مِسعرٌ حديثًا قط إلَّا في المسجد الجامع، وكانت له أمٌّ عابدةٌ، وكان يحملُ لها لِبْدًا ويمشي معها حتَّى يدخلا [المسجد]، فيبسط لها اللِّبد، فتصلّي، ثم يعودُ فيحمل اللبدَ معها إلى بيتها (¬1).
وحكى أبو نعيم عن سفيان الثوري أنَّه قال: ما رأيتُ في زمانِه مثله.
قال: وقال سفيانُ بن عيينة: ما لقيتُ أحدًا أُفَضله عليه (¬2).
قال: وقال ابنُه محمد بن مسعر: كان أبي لا ينامُ حتَّى يقرأَ نصف القرآن (¬3).
وكان يخفي أعماله ويقول: أشتهي أنْ أسمعَ صوتَ باكيةٍ حزينة (¬4).
وروى ابن أبي الدنيا قال: بكى مسعرٌ يومًا، فبكت أمُّه، فقال لها: يا أمَّاه، ما أبكاكِ؟ فقالت: رأيتُك تبكي فبكيتُ لبكائك، فقال: يا أمَّاه، لمثلِ ما نهجمُ عليه غدًا فلنُطِلِ البكاء، قالت: يا بنيَّ، وما هو؟ قال: القيامة وما فيها.
وكان لا يزال باكيًا طول دهره، وما كان له مأوى إلَّا المساجد (¬5).
وقال سفيان بن عيينة: قال رجل لمسعر: أتحبُّ أن يخبركَ الرجلُ بعيوبك؟ فقال: إنْ كان ناصحًا فنعم، وإن كان يريدُ أن يوبِّخني فلا (¬6).
¬__________
(¬1) طبقات ابن سعد 8/ 484 - 485.
(¬2) حلية الأولياء 7/ 209.
(¬3) حلية الأولياء 7/ 216.
(¬4) حلية الأولياء 7/ 218.
(¬5) في طبقات ابن سعد 8/ 485: ولم يكن له مأوى إلَّا منزله والمسجد.
(¬6) حلية الأولياء 7/ 217.