كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 12)

محمد بن علي، وأُخبرتُ عن عيسى بن عليّ، قالوا: نحن عند أبي جعفر حين كلَّمه ابنُ أبي ذئب بما كلَّمه به من ذاك الكلام الشديد، فظننا أنَّ أبا جعفرٍ سيعاجلُه، فجعلنا نكفُّ ثيابنا، ونتنحى (¬1) مخافة أن يصيبنا من دمه.
قال: وجزعَ أبو جعفر واغتمّ، وقال له: قم فاخرج فخرج، ورزقَه اللهُ السلامة من أبي جعفر.
قال الواقدي: وخرجَ ابنُ أبي ذئب إلى أمِّ ولده سلامة، فقال لها: احتسبي دنانيرك التي كان حسن بن زيد يجريها عليك. قالت: ولم؟ قال: سألني أبو جعفر عنه، فقلت: كذا وكذا، فقالت: ففي الله خلفٌ وعوضٌ منها.
وخرجَ الحسنُ بن زيد، فذكر ذلك لابن أبي الزناد وقال: والله ما ساءني (¬2) كلامه، ولقد علمتُ أنَّه أراد الله بذلك، ولم يرد به الدنيا ولا رضا أبي جعفر، فلمَّا كان رأسُ الشهر بعثَ إليه بعشرة دنانير؛ زاده خمسةً أخرى، وقال: إنَّما زدته لإرادته وجه الله. فلم يزل يجريها عليه في كلِّ شهرٍ حتَّى مات.
قال الواقدي: أرسَلُوا إلى ابن [أبي] ذئب، فأقدموه إلى بغداد، فأعطوه ألفَ دينار فلم يقبلها، فقالوا: خذها ففرقها في أهل المدينة، فأخذَها، فلمَّا كان بالكوفة اشتكى، فماتَ فدُفن بالكوفة في سنة تسع وخمسين ومئة، وهو يومئذ ابنُ تسعٍ وسبعين سنة.
قال: وكان يُفتي بالمدينة، وكان عالمًا ثقةً فقيهًا عابدًا ورعًا فاضلًا. هذا قول ابن سعد (¬3).
وقال جدِّي في "المنتظم" عن محمد بن خلَّاد قال: لما حجَّ المهدي دخلَ مسجدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يبق أحد إلَّا قام، إلَّا ابن أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير: قم فهذا أمير المؤمنين، فقال ابن أبي ذئب: إنَّما يقومُ الناس لربِّ العالمين، فقال المهدي: دعهُ فلقد قامت كل شعرةٍ في رأسي (¬4).
¬__________
(¬1) في (ج): ونتحاذا. والمثبت من طبقات ابن سعد 7/ 562.
(¬2) في (ج): سألني. وفوقها: كذا. والمثبت من طبقات ابن سعد 7/ 562.
(¬3) طبقات ابن سعد 7/ 558 - 563.
(¬4) المنتظم 8/ 234.

الصفحة 297