كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 12)
فنصحكَ أبو جعفر وأعطاه ألفي درهم.
وذكر في "العقد" أنَّ هذه الواقعة كانت مع المهدي، وأنَّ أبا دلامة خاطَ خريطة من شقائق النعمان (¬1)، ولمَا دخل على المهدي أنشده البيتين، وأن المهدي قال له: أتريد أن أعينك على تربيتها؟ قال: نعم. وكانت الخريطةُ بين أصابعه، فقال: يا أمير المؤمنين، املأ لي هذه الخريطة دراهم، فاستصغرها المهديُّ وقال: وما عسى أن تسعَ هذه؟ فقال أبو دلامة: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير، فأمر أن تملأ، فلما نشرت ملأت صحنَ الدار، فدخل فيها أربعةُ آلاف درهم، وقال المهدي: أعطوه إيَّاها (¬2).
وقال الأصمعيُّ: لقي أبو دلامة معنَ بن زائدة في الصيد، فأخذ بعنان فرسه وقال: [من الكامل]
إنِّي حلفت بإنْ رأيتُك سالمًا ... بقُرَى العراقِ وأنت ذو وَفْرِ
لتصلينَّ على النبيِّ محمدٍ ... ولتملأنَّ دراهمًا حِجْرِي
فقال له معن: أمَّا الصلاة فنعم، وأمَّا الدراهم فلمَّا نوجع من الصيد، فقال: جعلت فِداءك، لا تفرِّق بينهما، فاستسلفَها له، وصَبَّها في حجره حتى أثقله (¬3).
وحكى المبرد عن الأصمعيِّ قال: أمر أبو جعفر أصحابَه بلبس القلانس الطِّوال، ودراريع بين أكتافها مكتوب فيها هذه الآية: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137]، وأمر بشدِّ السيوف في أوساطهم، فدخلَ أبو دلامة يومًا عليه وهو في ذلك الزيّ، فقال له أبو جعفر: كيف أصبحت؟ فقال: بشر حال، قال: وكيف؟ قال: ما ظنُّك بمن أصبحَ وجهُه في وسطه، وسيفُه في استه، وقد نبذَ كتاب الله وراءَ ظهره؟ فضحك أبو جعفر، ووصلَه (¬4).
ولأبي دُلَامة شعرٌ في القلانس الطوال وهو:
وكنا نرجِّي من إمامٍ زيادةً ... فزادَ الإمامُ المصطفى في القلانسِ
¬__________
(¬1) بهذا. وفي العقد الفريد 1/ 260: خريطة من شقق. وفي تاريخ بغداد 9/ 521: من خرق.
(¬2) العقد الفريد 1/ 260 - 261.
(¬3) ذكر الخبر بنحوه الأصفهاني في الأغاني 10/ 253 لكن القصة فيه مع المهدي لا مع معن، وذكره ابن عبد ربه في العقد 1/ 263، والخبر فيه مع أبي دُلف والي العراق. والله أعلم.
(¬4) انظر الأغاني 10/ 236، والعقد الفريد 1/ 264.