كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 12)
حماد: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقول. سمعت أنس بن مالكٍ يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ العالِمَ إذا أراد بعِلمه وجهَ اللهِ هابَه كلُّ شيء، وإذا أَراد يكتنزُ به الكنوزَ هاب من كلِّ شيء"، فقال: أربعون أنس درهمٍ تأخذها تستعين بها على ما أَنْتَ عليه، فقال: اردُدْها على مَن ظلمتَه بها، فقال: واللهِ ما أعطيتك إلَّا ما ورثتُه، قال: لا حاجةَ لي فيها، ازوها عنِّي زوى اللهُ عنك أوزارَك، قال: فتقسمها، قال: فلعلي لا أَعدلُ فيها فيقول بعضُ مَن يُرزَق منها: لم يَعدِل، ازوها عني زوى اللهُ عنك أَوزارَك (¬1).
وقال موسى بنُ إسماعيل: ما رُئي حمادٌ ضاحكًا قط، كان مشغولًا بنفسه، إمَّا أن يقرأ، وإما أن يصلِّي، وإما أن يسبِّح.
وقال حماد: كانت لي جارةٌ ولها بناتٌ يتامى، وكانت ليلةً ممطرة، فوكف عليهم السَّقف، فسمعتُ المرأةَ وهي تقول: يَا رفيقُ ارفقْ بنا، فسكن المطرُ وانقطع الدَّلف، فقلت: هذه امرأةٌ مستجابةُ الدعوة، فأخذتُ في كمِّي دنانيرَ ونزلت، فطرقتُ عليها الباب، فقالت: كن حمادَ بن سَلَمة، فقلت: أنا حمَّاد، ففتحت البابَ وقالت: ما الذي بك؟ قلت: سمعتكِ وأنت تقولين: يَا رفيقُ ارفق بنا، فما بلغ من رِفقه بك، قالت: قطع الدلفَ عنا وأَدفأَ البيت، فنام الصِّغار. فأخرجتُ الدنانيرَ من كمِّي وقلت: أَنفقي هذه الدنانيرَ علي بناتك وأَيتامِك، وإذا بصبيَّة خُماسية -أي: بنتُ خمسِ سنين- قد خرجتْ وعليها جبَّة صوفٍ تستبين حروفها، فقالت: قد علمنا يَا حمادُ أنَّما بعثك إلينا بالدنيا ليطردَنا عن بابه، ردَّ دنانيرَك عافاك الله، فنحن في غِنًى عنها. ثم أَغلقت البابَ ودخلتْ، فانصرفتُ.
وقال يونُس بنُ محمَّد: مات حمادٌ في المسجد وهو يصلِّي، وقيل: وهو ساجده وقال أبو عبدِ الله التَّميميُّ عن أَبيه قال: رأيتُ حمادَ بن سلمةَ في المنام بعد موته، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: خيرًا، أَوقفني بين يديه وقال: طال ما كددتَ نفسَك في دار الدنيا، فاليومَ أُطيل راحتَك وراحةَ المتعوبين في الدنيا، بخٍ بخٍ ماذا أَعددتُ لهم!
أَسند حمادٌ عن الحسن وابنِ سِيرينَ (¬2) والأوزاعيِّ والزُّهري وخَلْقٍ كثير، واتفقوا
¬__________
(¬1) تاريخ دمشق 62/ 194 - 195، وانظر الجامع لأخلاق الراوي (846).
(¬2) هو أنس بن سيرين، ولم تذكر المصادر ممن ذكرهم المصنف غير أنس هذا. انظر تهذيب الكمال، والسير 7/ 444 - 445.