كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 12)

الرُّطب إذا يَبِس؟ هكذا رواهُ عبدُ الله بن نُمير وحمّاد بن سَلَمة عن مالك، فقالا: أليس يَنقُص؟ (¬١).
فهذا تقرِيرٌ منهُ وتوبِيخٌ، وليسَ باستِفهام في الحَقِيقةِ؛ لأنَّ مِثلَ هذا لا يجُوزُ جَهلُهُ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والاستِفهامُ في كلام العَرَبِ قد يأتي بمعنى التَّقرِيرِ كثِيرًا، وبمعنى التَّوبِيخ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} [المائدة: ١١٦]. فهذا استِفهامٌ معناهُ التَّقرِيرُ، وليس معناهُ أنَّهُ استَفْهَمَ عمّا جهِلَ (¬٢)، جلَّ الله وتعالى عن ذلك، ومن التَّقرِيرِ أيضًا بلفظِ الاستِفهام، قولُهُ عزَّ وجلَّ: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: ٥٩]، وقولُهُ: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: ٥٩]، وقولُهُ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ} [طه: ١٧ - ١٨] وهذا كثِيرٌ.
وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " نحو قولِهِ: "أرأيتَ إن منعَ الله الثَّمرةَ، فبمَ (¬٣) يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخِيهِ؟ " (¬٤). فكأنَّهُ (¬٥) قد قال: أليسَ الرُّطبُ إذا يبِسَ نقصَ؟ فكيف تبِيعُونهُ بالتَّمرِ، والتَّمرُ لا يجُوزُ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثل، والمُماثلةُ معدُومة (¬٦) في مِثلِ هذا، فلا تبِيعُوا التَّمر بالرُّطبِ بحالٍ.
فهذا أصلٌ في مُراعاةِ المآلِ في ذلك. وهذا تقديرُ (¬٧) قولِهِ - صلى الله عليه وسلم - عِندَ من نزَّهَهُ، ونفى عنهُ أن يكون جهِلَ أنَّ الرُّطَبَ ينقُصُ إذا يبِسَ، وهذا هُو الحقُّ إن شاءَ الله تعالى، وبه التَّوفِيقُ.
---------------
(¬١) قوله: "وقد روي هكذا. . .أليس ينقص؟ " لم يرد في الأصل.
(¬٢) في الأصل: "استفهام عما فهم"، والمثبت من د ٢.
(¬٣) في م: "فيم".
(¬٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ١٤٠ (١٨٠٨) من حديث أنس.
(¬٥) في م: "فإنه".
(¬٦) في الأصل، م: "معروفة"، والمثبت من د ٢.
(¬٧) في م: "تقرير".

الصفحة 163