كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 12)

وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ معانٍ، مِنها: عِيادةُ المرِيضِ، وعِيادةُ الرَّجُلِ الكبِيرِ العالِم الشَّرِيفِ، لمن دُونهُ.
وعِيادةُ المَرْضَى (¬١) سُنّةٌ مسنُونةٌ، فعَلَها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمرَ بها، وندبَ إليها، وأخبرَ عن فَضْلِها بضُرُوبٍ من القَوْلِ، ليس هذا مَوْضِع ذِكرِها، فثبتَتْ سُنَّةً ماضِيةً لا خِلافَ فيها.
وفيه: الصِّياحُ بالعَليلِ على وَجْهِ النِّداءِ لهُ، ليسمعَ فيُجِيب عن (¬٢) حالِهِ. ألا تَرَى أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صاحَ بأبي الرَّبِيع، فلمّا لم يُجِبهُ اسْتَرجعَ على ذلك، لأنَّها مُصِيبةٌ؟ والاسْتِرجاعُ قولُ الله (¬٣): {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٦]. وهُو القولُ الواجِبُ عِندَ المصائبِ.
وفيه: تكنِيةُ الرَّجُلِ الكبِيرِ لمن دُونهُ، وهذا يُبطِلُ ما يُحكَى عن الخُلفاءِ أنَّهُم لا يَكْنُونَ أحدًا، عصَمَنا الله عمّا دقَّ وجلَّ من التَّكبُّرِ برَحمتِهِ.
وفيه: إباحَةُ البُكاءِ على المرِيضِ بالصِّياح وغيرِ الصِّياح، عِند حُضُورِ وفاتِهِ.
وفيه: النَّهيُ عن البُكاءِ عليهِ إذا وجبَ موتُهُ.
وفي نهيِ جابرِ بن عَتِيكٍ للنِّساءِ عن البُكاءِ، دليلٌ على أنَّهُ قد كان سمِعَ النَّهي عن ذلك، فتأوَّلهُ على العُمُوم واللهُ أعلم (¬٤)، فقال لهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعهُنَّ"،
---------------
= الطحاوي في شرح المعاني ٤/ ٢٩١ والحاكم ١/ ٣٥١ - ٣٥٢، وعبد الرحمن بن القاسم عند النسائي في الكبرى كما في التحفة (٣١٧٣)، وعتبة بن عبد الله عند النسائي ٤/ ١٣، وعمرو بن مرزوق عند ابن قانع في معجم الصحابة ١/ ١٤٠، والشافعي ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، ومحمد بن الحسن الشيباني (٣٠٢)، ويحيى بن بكير عند البيهقي ٤/ ٦٩.
(¬١) في الأصل، م: "المريض"، والمثبت من بقية النسخ.
(¬٢) في الأصل، ت: "على"، وفي د ٢: "من".
(¬٣) لفظ الجلالة أخل به الأصل، م.
(¬٤) "والله أعلم" من د ٢.

الصفحة 175