كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 12)
يعني: يبكِين، حتَّى يمُوت، ثُمَّ لا تبكِينَّ باكِيةٌ. يُرِيدُ، واللهُ أعلمُ، لا يَبكِيَنَّ نِياحًا ولا صِياحًا بعد وُجُوبِ مَوتِهِ.
وعلى هذا جُمهُورُ الفُقهاءِ: أنَّهُ لا بأسَ بالبُكاءِ على الميِّتِ، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبَةٍ ولا نِياحَةٍ (¬١)، وشقِّ جيبٍ، ونَشْرِ شعرٍ، وخَمْشِ وجهٍ.
قال ابنُ عبّاسٍ في مِثلِ هذا من بُكاءِ العينِ دُونَ نِياحَةٍ: اللهُ أضْحَكَ وأبكى (¬٢). وقد مضى هذا المعنى واضِحًا في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله.
وقد روى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: مرَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بجِنازةٍ يُبكَى عليها، وأنا مَعهُ وعُمرُ بن الخطّابِ، فانْتَهَرَهُم عُمرُ، فقال: "دعهُنَّ يا ابن الخطّابِ، فإنَّ النَّفسَ مُصابةٌ، والعينَ دامِعةٌ، والعهدَ قرِيبٌ".
لم يُتابَع اللَّيثُ على هذا الإسنادِ، وإنَّما رَوتهُ الجماعةُ عن هشام بن عُروةَ، [عن وَهْبِ بن كَيْسانَ] (¬٣) عن محمدِ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عن سَلَمةَ بن الأزرقِ، عن أبي هريرةَ (¬٤).
وروى عبدُ الرَّحمنِ بن حسّانَ بن ثابتٍ، عن أُمِّهِ (¬٥) سِيرِين، قالت: حَضَرتُ
---------------
(¬١) في الأصل: "وبنياحة"، والمثبت من د ٢.
(¬٢) أخرجه البخاري (١٢٨٨)، ومسلم ٢/ ٦٤٢ (٩٢٩) مطولًا.
(¬٣) ما بين المعقوفتين سقط من النسخ، ولا يصح الإسناد إلا به. وانظر: مصادر التخريج.
(¬٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٦٦٧٤)، وأحمد في مسنده ١٣/ ١٢٤، و ١٥/ ١٦٨ (٧٦٩١، ٩٢٩٣)، وعبد بن حميد (١٤٤٠) وابن ماجة (١٥٨٧)، وأبو يعلى (٦٤٠٥) وابن حبان ٧/ ٤٢٩ - ٤٢٨ (٣١٥٧) من طريق هشام، به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة سلمة بن الأزرق، قال الذهبي في المغني ١/ ٢٧٤: لا يعرف. وانظر: المسند الجامع ١٧/ ٣٥ - ٣٦ (١٣٢٦١).
(¬٥) في د ٢: "ابنة"، وهو خطأ بيّن.