كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 12)

وأمّا اعتِمارُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ الحجِّ.
فقد ذكَرْنا فيه حدِيث ابن جُريج، عن عِكرِمةَ بن خالدٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمرَ قبلَ أن يحُجَّ (¬١). وهُو أمرٌ مشهُورٌ عِندَ جميع أهلِ السِّيرِ والعِلم بالأثرِ، يُغني عن الإسنادِ، وحدِيثُ ابن عُمرَ هذا حدِيثٌ ثابتٌ من جِهَةِ الإسنادِ مُتَّصِلٌ.
وممّا يدُلُّكَ على أنَّهُ اعتمرَ قبلَ الحجِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ عُمرتهُ كانَتْ والمُشرِكُونَ بمكَّةَ يَومئذٍ:
أخبرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (¬٢): أخبَرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابن أبي خالدٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي أوفى، قال: اعتمرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فطافَ بالبيتِ، ثُمَّ خرجَ بينَ (¬٣) الصَّفا والمروةِ يطُوفُ، فجَعْلنا نستُرُهُ من أهلِ مكَّةَ، أن يَرْمِيهُ أحدُهُم، أو يُصِيبهُ بشيءٍ.
قال أبو عُمر: ولم يكُن في حَجَّةِ الوداع بمكَّةَ رجُلٌ مُشرِكٌ، وهذا أشهرُ من أن يحتاج إلى الاسْتِشهادِ عليه.
وقدِ اعتمرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ حجَّتِهِ عُمَرًا، قيل: ثلاثًا، وقيل: أربعًا. وسَنذكُرُ ذلك، وما جاءَ فيه من الأثرِ، في بابِ هشام بن عُروةَ، ونزِيدُ ذلك بيانًا في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
---------------
(¬١) سلف تخريجه في أوائل هذا الباب.
(¬٢) في السنن الكبرى ٤/ ٢٣٥ (٤٢٠٦). وأخرجه أحمد في مسنده ٣٢/ ١٥١ (١٩٤٠٧)، وابن خزيمة (٢٧٧٥)، وابن حبان ٩/ ١٥٢ (٣٨٤٣) من طريق يحيى، به. وأخرجه البخاري (١٦٠٠)، والدارمي (١٩٢٢)، وأبو داود (١٩٠٢)، وابن ماجة (٢٩٩٠)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٠٢، من طريق إسماعيل، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ١٦٢ - ١٦٣ (٥٦٦٣).
(¬٣) في الأصل، م: "من".

الصفحة 352