كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 12)

ولكِنَّهُ تقرِيعٌ وإخبارٌ وتَوْبِيخٌ، يقولُ: منِ استحلَّ بيعَ الخمرِ، وقد نهاهُ اللَّه عن بيعِها، فمن شأنِهِ، ومن نَظيرِ أفعالِهِ، ألّا يَرعَ (¬١) عن شَقْصِ الخنازِيرِ.
ومن هذا الباب قولُ عُمر: من وجدَ سَعَةً واستطاع سبِيلًا إلى الحجِّ ولم يحُجَّ، فلْيمُتْ يُهودِيًّا، أَو نصرانِيًّا (¬٢).
ومن ذلك قولُ أبي هريرةَ: من وجدَ سَعَةً ولم يُضَحِّ (¬٣)، فلا يقرَبْ مُصلّانا (¬٤).
ومن معنى حدِيثِ هذا البابِ أخَذَ القائلُ قولَهُ (¬٥):
إذا لم تخش عاقِبةَ اللَّيالِي ... ولم تَسْتَحي فاصنَعْ ما تشاءُ
فلا واللَّه ما في العَيْشِ خيرٌ ... ولا الدُّنيا إذا ذهَبَ الحياءُ
وقال أبو دُلف العِجلِيُّ (¬٦):
إذا لم تَصُن عِرضًا ولم تخش خالِقًا ... وتَسْتَحي مخلُوقًا فما شِئت فاصنعِ
وقد قيلَ: إنَّ معنى هذا الحدِيثِ، افعَلْ ما شِئتَ ممّا لا تَسْتَحيي من فِعلِهِ.
أي: ما حلَّ لكَ وأُبِيحَ فِعلُهُ، فلا تَسْتَحي منهُ، ولا عليكَ أن (¬٧) تفعلهُ، إذ لا تَسْتَحيي من فِعلِهِ.
وهذا تأوِيلٌ ضعِيفٌ، والأوَّلُ هُو المعرُوفُ عِندَ العُلماءِ، والمشهُورُ مخرجُهُ عِندَ العربِ والفُصحاءِ.
---------------
(¬١) في م: "يرعوي"، والمثبت من النسخ، يرع، بكسر الراء، يتحرج. كما في (ورع) من لسان العرب وغيره.
(¬٢) أخرجه البيهقي في الكبرى ٤/ ٣٣٤.
(¬٣) في م: "يحج"، وهو تحريف.
(¬٤) أخرجه البيهقي في الكبرى ٩/ ٢٦٠.
(¬٥) القائل هو أبو تمام، انظر: ديوانه ٤/ ٢٩٧.
(¬٦) انظر: بهجة المجالس ١/ ٥٩١.
(¬٧) في د ٢: "ألّا".

الصفحة 413