كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 12)
مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَقَالَ بن التِّينِ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِي وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ وَمَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِرٌ فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَامُ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ يَكُنْ وَكَانَ السِّرُّ فِي نَدُورِ الْإِلْهَامِ فِي زَمَنِهِ وَكَثْرَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ غَلَبَةَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَةِ وَإِرَادَةَ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ مِنْهُ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنْهُ فِي زَمَانِهِ شَيْءٌ فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَامُ لِمَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ لِلْأَمْنِ مِنَ اللَّبْسِ فِي ذَلِكَ وَفِي إِنْكَارِ وُقُوعِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ مُكَابَرَة مِمَّن أنكرهُ قَوْلُهُ بَابُ رُؤْيَا يُوسُفَ كَذَا لَهُمْ وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ فَسَاقَ إِلَى سَاجِدِينَ ثُمَّ قَالَ إِلَى قَوْلِهِ عليم حَكِيم كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قد جعلهَا رَبِّي حَقًا إِلَى قَوْله وألحقني بالصالحين كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ أَيْضًا وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَأْوِيل رُؤْيَايَ أَيِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَهِيَ رُؤْيَةُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ سَاجِدِينَ لَهُ فَلَمَّا وَصَلَ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ إِلَى مِصْرَ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَرْتَبَةِ الْمُلْكِ وَسَجَدُوا لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي شَرِيعَتِهِمْ فَكَانَ التَّأْوِيلُ فِي السَّاجِدِينَ وَكَوْنِهَا حَقًّا فِي السُّجُودِ وَقِيلَ التَّأْوِيلُ وَقَعَ أَيْضًا فِي السُّجُودِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمُ السُّجُودُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخُضُوعِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمد وَقد أخرجه بن جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وخروا لَهُ سجدا قَالَ كَانَتْ تَحِيَّةَ مَنْ قَبْلَكُمْ فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِي لَفْظٍ وَكَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْجُدَ بَعضهم لبَعض وَمن طَرِيق بن إِسْحَاق وَالثَّوْري وبن جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ نَحْوُ ذَلِكَ قَالَ الطَّبَرِيُّ أَرَادُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَيْنَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ بَلِ الْإِكْرَامِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَت بَين
الصفحة 376