كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 12)
يؤذّن في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلّا بهمهمة يسمعها من قبر النبي -صلى الله عليه وسلم, وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ: قال سعيد -يعني: ابن المسيب: فلمَّا حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدَّس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعني: ليالى أيام الحرة.
وقد روى البيهقي وغيره: من حديث أنس أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" , وفي رواية: "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور".
__________
وفي البخاري عن ابن المسيب، أنها لم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا "لم يؤذن في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم" لعدم تمكّن أحد من دخول المسجد من الخوف, "ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد, وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي -صلى الله عليه وسلم", "وذكره ابن النجار وابن زبالة" بفتح الزاي "بلفظ" أنَّ الأذان ترك في أيام الحرة ثلاثة أيام, وخرج الناس وسعيد بن المسيب في المسجد.
"قال سعيد -يعني ابن المسيب" فاستوحشت فدنوت من القبر, "فلمَّا حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر" الشريف, يحتمل من ملك موكّل بذلك, إكرامًا له -عليه السلام, ويحتمل غير ذلك, فصليت ركعتين" نفلًا "ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر" اكتفاءً بذلك؛ لعلمه أنه حق، إلّا أن قوله: فلمَّا حضرت الظهر يقتضي أنه علم دخول الوقت قبل سماع الأذان, وصريح لرواية الأولى أنه لا يعرف الوقت إلا بسماع الهمهمة من القبر.
فإما ن يئول: حضرت الظهر, على معنى بسماع الأذان، وإمَّا أن المراد بالحضر في الوقت غير الظاهر كالظهر, "ثم مضى" أي: استمرَّ "ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدَّس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال -يعني: ليالي أيام الحرة، كرامةً له وتأنيسًا لاستيحاشه بانفراده في المسجد.
"وقد روى البيهقي" في كتاب حياة الأنبياء وصحَّحه, "وغيره" كأبي يعلي والبزار وابن عدي "من حديث أنس, أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" تلذذًا وإكرامًا.
"وفي رواية" للبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, أحد فقهاء الكوفة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة" من موتهم, "ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور".