كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 12)

وعن سعيد بن المسيب لما قرأ الآية أخذ من الأرض شيئًا ثم قال: الحصور الذي ليس له إلا مثل هذا (¬1)، وقيل: الحابس نفسه عن المعاصي.
وقال ابن عباس: هو الذي لا يُنْزِل (¬2).
قلت: والظاهر أنه الذي لا يقع منه مع القدرة؛ لأن العنة عيب، والأنبياء يصانون عنه (¬3)، والآية حجة لأبي حنيفة والشافعي وأشهب في أن المحصور بعذر عليه الهدي (¬4)، وانفرد أشهب بذلك بين أصحابه (¬5)، والآية محمولة عند مالك وأصحابه على المرض (¬6)، وفسر العزيزي الآية بالمنع من السير لمرض أو عدو أو غيره من العوائق.
ومذهب ابن عمر وابن عباس وأهل المدينة: أنه لا يكون إلا من عدو. وابن مسعود وأهل الكوفة: أنه منه ومن المرض (¬7)، وعليهما الهدي واجب على من منع لعدو، والمعنى فرضيته للمحصر.
¬__________
(¬1) رواه الطبري 3/ 255 (6979)، وابن أبي حاتم 2/ 643 (3464). قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 3/ 55: هذا حديث غريب جدًا.
(¬2) رواه الطبري 3/ 256 (6992)، وابن أبي حاتم 2/ 643 (3467). وزاد السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 39 نسبته إلى أحمد في "الزهد" وابن المنذر.
(¬3) قال القاضي عياض: فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوبًا أو لا ذكر له بل قد أنكر هذا حذَّاق المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذِه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام؛ وإنما معناه أنه معصومٌ من الذنوب أي: لا يأتيها كأنه حُصر عنها، وقيل مانعًا نفسه من الشهوات، وقيل: نسيت له شهوة في النساء. اهـ "الشفا" 1/ 88.
(¬4) انظر: "المبسوط" 4/ 106، "المنتقى" 2/ 273، "الأم" 8/ 169.
(¬5) انظر: "المنتقى" 2/ 372.
(¬6) السابق.
(¬7) انظر: "شرح معاني الآثار" 2/ 252، "المجموع" 8/ 320.

الصفحة 281