كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 12)

مالكًا هو الذي أسقطه (¬1). قال ابن حزم: والصحيح في خبر كعب ما رواه ابن أبي ليلى، والباقون روايتهم مضطربة موهومة، والقصة واحدة، ووجب أخذ ما رواه أبو قلابة والشعبي عنه؛ لثقتهما، ولأنها مبينة لسائر الأحاديث (¬2).
قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور: الإطعام في فدية الأذى مدَّان بمده - عليه السلام - على ما جاء في حديث كعب. وروي عن الثوري وأبي حنيفة: أنهما قالا في الفدية: من البر نصف صاع، ومن التمر أو الشعير أو الزبيب صاع لكل مسكين (¬3). وهذا خلاف نص الحديث ولا معنى له، وعمَّ الشارع جميع أنواع الطعام، ولم يستثن بعض ما يطعم المساكين، وقاس أبو حنيفة: كفارة الأيمان على كفارة فدية الأذى فأوجب في كفارة الأيمان وسائر الكفارات مدين مدين لكل إنسان، كما ستعلمه.
وقام الإجماع على أن أقل النسك شاة (¬4)، وبها أفتى الشارع كعب بن عجرة، وقد ثبت كما قال ابن بطال: أنه نسك ببقرة، ثم ساقه بإسناده من حديث سليمان بن يسار قال: ذبح كعب بقرة فأخذ بأرفع الكفارات، ولم تكن هذِه مخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل كانت موافقة وزيادة.
ففيه من الفقه: أن من أُفتي بأيسر الأشياء وأقل الكفارات أن له أن يأخذ بأعالي الأمور، وأرفع الكفارات كما فعل كعب، قال ابن المنذر:
¬__________
(¬1) "التمهيد" 20/ 62. وانظر: "سنن الشافعي" 2/ 96 - 100.
(¬2) انظر: "شرح معاني الآثار" 3/ 121 - 122، "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 195 - 197، "الموطأ" 271، "المنتقى" 3/ 72 - 72، "الأم" 2/ 158، "المغني" 11/ 94 - 97.
(¬3) "الاستذكار" 12/ 249.
(¬4) "المحلى" 7/ 210.

الصفحة 314