كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 12)

-والله أعلم- أن إبراهيم أعلن حرمتها، وعلم أنها حرام بإخباره، فكأنه حرمها؛ إذ لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه، كما أضاف الله تعالى توفي الأنفس مرة إليه (¬1)، ومرة إلى ملك الموت بقوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ} [السجدة: 11] ومرة إلى أعوانه بقوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ} [النحل: 28] وجائز أن يضاف الشيء إلى من له فيه سبب، ويحتمل أن يكون إبراهيم منع من الصيد بمكة والقتال فيها وشبه ذَلِكَ، وإني أمنع مثل ذَلِكَ بالمدينة، والتحريم في كلام العرب: المنع، قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ} [القصص: 12] أي: منعناه قبول المراضع، وحديث مالك عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه: "اللهم إن إبراهيَم دعاك لمكة" (¬2)، وهذا أولى من رواية: "حرم مكة" (¬3)، وقوله: "أحلت لي ساعة من نهار" (¬4)، لم يرد الساعة المعروفة والمراد: القليل من الوقت والزمان، وأنه كان بعض النهار ولم تكن يومًا تامًا وليلة، "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" (¬5)، يدل على أن الساعة التي أحل له فيها القتال لم تكن أكثر من يوم (¬6).
وكان ابن شهاب يقول: لا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام (¬7)،
¬__________
(¬1) بقوله جل وعلا في سورة الزمر: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} آية: 42، وقد ذكرها ابن عبد البر في "الأجوبة" ص 99، وأسقطها المصنف -رحمه الله- هنا.
(¬2) "الموطأ" ص: 552. والحديث رواه مسلم (1373).
(¬3) رواه مسلم (1361).
(¬4) قطعة من حديث سلف برقم (112) كتاب: العلم، باب: كتابة العلم.
(¬5) سلف برقم (1832)، ورواه مسلم (1354).
(¬6) "الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري" ص 94 - 104 بتصرف بالغ.
(¬7) رواه مالك في "الموطأ" ص 273.

الصفحة 456