كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 12)

وقد كانت لعبد الله بن عمرو مواقف عظيمة تدل على فضله وبذله ونصرته لهذا الدين، روى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - في حديث طويل، وقال - صلى الله عليه وسلم - في آخره: «جَزَى اللَّهُ الأَنْصَارَ عَنَّا خَيْرًا، وَلَا سِيَّمَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ» (¬١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ابن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى (¬٢)، وَقَدْ مُثِّلَ (¬٣) بِهِ، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ هَذِهِ؟» فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو- أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو فَقَالَ: «وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ» (¬٤).
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: «ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه؛ لأن هذا الجليل القدر الذي تظله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يُبكى عليه،
---------------
(¬١). صحيح ابن حبان برقم ٦٩٨١، وصححه الشيخ الألباني - رحمه الله - في السلسلة الصحيحة برقم ٤٦١.
(¬٢). أي مغطى. انظر النهاية (٢/ ٣١٠).
(¬٣). مُثل: بضم الميم وكسر الثاء، ومثل بالقتيل إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه .. ونحو ذلك. انظر النهاية (٤/ ٢٥١).
(¬٤). صحيح البخاري برقم ١٢٩٣، وصحيح مسلم برقم ٢٤٧١.

الصفحة 132