كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 148 """"""
ذكر الحرب بين ناصر الدولة وتاج الملوك شادي وما كان من أمر ناصر الدولة إلى أن قتل
.
وفي سنة أربع وستين وأربعمائة جمع ناصر الدولة جموعه من العربان وجاء إلى الجيزة ، واستدعى إليه تاج الملوك شادي وبعض المقدمين ، فخرجوا للقائه ، فقبض عليهم ونهب مصر 69 وأحرقها .
وكان سبب ذلك أن شادي كان قد قطع عن ناصر الدولة ما كان قد تقرر حمله إليه من المال ، ولم يوصل إليه إلا اليسير منه . فلما قبض عليهم سير المستنصر عسكراً كثيفاً ، فهزموه ، فهرب إلى البحيرة وجمع جموعه من العربان وغيرهم ، وقطع خطبة المستنصر وأبطل ذكره ، ثم قدم ناصر الدولة في شعبان من السنة ودخل إلى مصر وحكم بها ، وأرسل إلى المستنصر يطلب منه المال ، فرآه الرسول وهو جالس على حصير وحوله ثلاثة خدم ، ولم ير شيئاً آخر من آثار المملكة ، فلما ذكر الرسول رسالته للمستنصر قال : ما يكفي ناصر الدولة أن أجلس مثل هذه البيت على هذه الحال فبكى الرسول ، وعاد إلى ناصر الدولة وذكر له الحال ، فأطلق ناصر الدولة للمستنصر بالله في كل شهر مائة دينار ، وحكم في القاهرة ، وبالغ في إهانة المستنصر ، وقبض على والدته وعاقبها ، وأخذ منها الأموال . وتفرق عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده ، ومضوا إلى بلاد المغرب والعراق .
وعمل ناصر الدولة على إقامة الدولة العباسية ، فنهض إلدكز أحد الأمراء ، ويلدكوز ، واجتمعا بمن بقي من الأتراك ، واتفقوا كلهم على قتل ناصر الدولة ، وكان قد آمن وترك الاحتراس لقوته وسطوته ، وظن أن الدنيا صفت له ، فتواعد الأتراك وركبوا إلى داره ، في شهر رجب سنة خمس وستين وأربعمائة ، وهو إذ ذاك في مصر بمنازل العز ، فدخلوا عليه من غير استئذان إلى أن بلغوا صحن الدار ، فخرج إليهم في رداء ، فقتلوه وأخذوا رأسه ، وكان الذي تولى قتله إلدكز ، وقتل أخوه فخر العرب وأخوهما تاج المعالي وجماعة من أهل بيته ، وانقطع ذكر آل حمدان ، ولم يبق بمصر لهم ذكر .