كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
قال المؤرخ : فلما سمع صاحبها ياغي سيان بتوجههم إليها خاف من النصارى الذين بها ، فأخرج ما بها من المسلمين بمفردهم أول يوم وأمرهم أن يحفروا الخندق ، ثم أخرج النصارى من الغد لذلك ، فعلموا فيه إلى العصر ، فلما أرادوا دخول البلاد منعهم ، وقال لهم : أنطاكية لكم فهبوها لي حتى أنظر ما يكون بيننا وبين الفرنج ، فقالوا : من يحفظ أولادنا ونساءنا ؟ فقال : أنا أخلفكم فيهم فأمسكوا حتى صاروا في عسكر الإفرنج .
وحصرت أنطاكية تسعة أشهر وظهر من حزم ياغي سيان واحتياطه وجودة رأيه ما يشاهد مثله ، وهلك 75 أكثر الفرنج موتاً وقتلاً ، وحفظ ياغي سيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم ، وكف الأيدي عنهم .
فلما طال مقام الفرنج عليها راسلوا أحد المستحفظين للأبراج ، وهو ذراد ، ويعرف بروزبة ، وبذلوا له مالاً إقطاعاً ، وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي ، وهو مبنى على شباك في الوادي .
فما تقرر الأمر بينهم وبينه ، جاءوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه ، وصعد جماعة كثيرة منهم بالحبال ، فلما زاد عددهم إلى خمسمائة ، ضربوا البوق وذلك عند السحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة ، فاستيقظ ياغي سيان وسأل عن الحال فقيل له : هذا البوق من القلعة ولا شك أنها قد أخذت ولم تكن من القلعة وإنما من البرج . فداخله الرعب ؛ ففتح باب البلد وهرب في ثلاثين غلاماً ، وجاء نائبه ليحفظ البلد ، فقيل له انه قد هرب ، فخرج من الباب الآخر هارباً ، وكان ذلك إعانة للفرنج ، ولو ثبت ساعة لهلكوا .
ثم أن الفرنج دخلوا البلد من بابه ، ونهبوا وقتلوا من فيه من المسلمين .
وأما ياغي سيان فإنه لما طلع النهار رجع إلى عقله وكان كالولهان فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ ؛ فقال لمن معه : أين أنا ؟ فقالوا : على أربعة فراسخ من أنطاكية . فندم كيف خلص سالماً ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يقتل .
وجعل يتلهف على ترك أهله وأولاد المسلمين ، ويسترجع ؛ فسقط عن فرسه

الصفحة 162