كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 163 """"""
لشدة ما ناله ، وغشي عليه ، فأراد أصحابه أن يركبوه فلم يكن فيه مسكة ، وكان قد قارب الموت ، فتركوه وساروا عنه ، فاجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الخشب وهو بآخر رمق فقتله وحمل رأسه إلى الفرنج بأنطاكية .
ذكر مسير المسلمين لحرب الفرنج وما كان من أمرهم
قال : ولما اتصل خبر أنطاكية بالأمير قوام الدين كربوقا صاحب الموصل جمع العساكر وسار لحربهم واجتمع معه الملك دقاق صاحب دمشق وصاحب حمص وصاحب سنجار . فلما بلغ الفرنج اجتماعهم عظمت عليهم المصيبة وداخلهم الخوف لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات . وسار المسلمون حتى نازلوا أنطاكية ، فأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين ، فأغضب الأمراء وتكبر عليهم ، ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذا الحال . فأغضبهم ذلك وأضمروا في أنفسهم الغدر به إذا كان قتال ، وعزموا على إسلامه عند الصدمة .
قال : وأقام الفرنج بإنطاكية بعد أن ملكوها ثلاثة عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه ، فتقوت الأقوياء بدوابهم والضعفاء بالميتة وورق الشجر ، فلما انتهت حالهم إلى ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد ، فلم يعطهم ، وقال : لا يخرجون منه إلا بالسيف .
وكان معهم من الملوك بغدوين وصنجيل وكندفري والقمص صاحب الرها وبيمند صاحب أنطاكية وهو مقدم العسكر ، وكان معهم راهب مطاع فيهم فقال لهم : إن المسيح عليه السلام كان له حربة مدفونة بالقسيان الذي بأنطاكية ، وهو بناء عظيم ، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون ، وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق . وكان هو قد دفنها قبل ذلك وعفا أثرها ، وأمرهم بالصوم ثلاثة أيام والتوبة ؛