كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 171 """"""
وأما طرابلس فإن ابن عمار لما فارقها راسل أهلها الأفضل أمير الجيوش يلتمسون منه والياً يكون عندهم ومعه الميرة في البحر ، فسير إليهم الأفضل شرف الدولة بن أبي الطيب والياً ، ومعه الغلال وغيرها . فلما صار إليها قبض على جماعة من أهل ابن عمار واستولى على ما وجده من أمواله وذخائره . فما كان في شعبان سنة ثلاث وخمسمائة وصل أسطول كبير من بلد الفرنج ، مقدمه قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل ، ومراكبه مشحونة بالرجال والسلاح والميرة وليس ربمند هذا ابن صنجيل صاحب الحصن المقدم ذكره . فنزل على طرابلس وكان السرداني وهو ابن أخت صنجيل محاصراً لها قبله ، فجرت بينهما فتنة أدت إلى الشر والقتال فوصل تتكري صاحب أنطاكية إليها إعانة للسرداني ، ووصل بغدوين صاحب البيت المقدس في عسكره ، فأصلح بينهم ونزل الفرنج بأجمعهم على طرابلس وضايقوها ، وذلك في شعبان ، وألصقوا أبراجهم بسورها ، فلما شاهد الجند وأهل البلد ذلك سقط في أيديهم ، وذلت نفوسهم ، وزادهم ضعفاً . فتأخر الأسطول المصري عنهم بالميرة والنجدة ، وداوم الفرنج القتال والزحف إلى أن ملكا البلد عنوة ، وذلك في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، سنة ثلاث وخمسمائة . ونهبوا ما فيها ، وأسروا الرجال ، وسبوا النساء والذرية ، وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة وكتب العلم الموقوفة ما لا يحد ولا يوصف .
وكانت طرابلس من أعظم البلاد وأهلها من أكثر الناس أموالاً .
وسلم الوالي الذي كان بها وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها ، فوصلوا إلى دمشق ، وعاقب الفرنج أهل طرابلس بأنواع العقوبات ، وأخذت دفائنهم وذخائرهم .
ووصل الأسطول المصري بالرجال والغلال وغيرها ، ما يكفيهم سنة ، وكان وصول الأسطول إليها بعد أن ملكت بثمانية أيام ، ففرق ما في الأسطول على الجهات المجاورة لها : صور وصيدا وبيروت .