كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)

"""""" صفحة رقم 174 """"""
حصارها . وكانت إذ ذاك بيد نواب الآمر بأحكام الله وبها من قبله عز الملك الأعز ، فحصروها في الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة ، وعملوا ثلاثة أبراج من الخشب علو البرج سبعون ذراعاً في كل برج ألف رجل ، ونصبوا عليها المجانيق . وألصقوا أحد الأبراج بسور صور ، فجمع عز الملك أهل البلد واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج . فقام شيخ من أهل طرابلس وضمن إحراقها ، وأخذ ألف رجل بالسلاح التام ، ومع كل رجل حزمة حطب ، فقاتلوا الفرنج حتى وصلوا إلى البرج الملتصق بالسور وألقوا الحطب من جهاته ، وأشعلوا فيه النار . ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في الأبراج بإطفاء النار ، فرماهم بجرار مملوءة بالعذرة كان قد أعدها لهم فلما سقطت عليهم اشتغلوا بما نالهم من الرائحة الكرهة ، فتمكنت النار من البرج . وأحرق المسلمون البرجين الآخرين أيضاً .
وكاتب عز الملك طغزتكين ، صاحب دمشق فأنجده بالرجال ، وأرسل أصحابه للإغارة على بلاد الفرنج ، فرجعوا من حصار مدينة صور في شوال من السنة .
ثم عادوا في سنة ست وخمسمائة إلى الحصار ، وضايقوا البلد ، فأرسل أهل صور إلى طغزتكين صاحب دمشق يطلبون منه أن يرسل إليهم من جهته من يتولى أمرهم ويحميهم ، وتكون البلد له . فسير إليهم عسكراً ، وجعل عندهم والياً اسمه مسعود ، وكان شهماً شجاعاً عارفاً بالحرب ومكايدها ، وأمده بالعساكر والميرة ، فطابت قلوب أهل البلد . ولم يقطع خطبة الآمر بأحكام الله ولا غير سكته ، وكتب إلى الأفضل أمير الجيوش يعرفه ما عمل ويقول : متى وصل من مصر من يتولاها ويذب عنها سلمتها إليه ، وطلب منهم ألا ينقطع الأسطول عنها بالرجال والميرة . فأجابه الأفضل إلى ذلك ، وشكره على ما فعل ، وجهز أسطولاً إليها ، فاستقامت أحوال أهلها .
ولم يزل كذلك إلى سنة ست عشرة وخمسمائة ، بعد قتل الأفضل أمير الجيوش . وذلك أن المأمون بن البطائحي لما ولى إمرة الجيوش بعد قتل الأفضل سير إلى مدينة صور أسطولاً على العادة ، وأمر المقدم عليه أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود ، الوالي من قبل طغزتكين ، ويقبض عليه ، ويتسلم البلد منه . وكان سبب ذلك أن أهل صور شكوا منه إلى الآمر بأحكام الله .
فلما وصل الأسطول وجاء الأمير مسعود ليسلم على المقدم قبض المقدم عليه واعتقله ، وحمله إلى الآمر ، فأكرمه وأعاده إلى صاحبه بدمشق .

الصفحة 174