كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)

"""""" صفحة رقم 180 """"""
ذكر مقتل الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش ابن أمير الجيوش بدر الجمالي وشيء من أخباره
كان مقتله في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة ، وقد ركب من دار الملك بمصر فقتل عند كرسي الجسر ، تلة الباطنية . قيل بمواطأة من الآمر لأنه كان قد ضاق منه لتحكمه عليه ومنعه من شهواته ، فقصد اغتياله إذا دخل عليه للسلام ، فمنعه أبو الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم ، ابن عمه ، وقال : إن هذا الأمر فيه من قبح الأحدوثة وسوء الشناعة ما لا تحمد عاقبته ، لأن هذا الرجل ما عرف له ولا لأبيه إلا المودة في خدمة هذا البيت والذب عنه ، وإن قتلناه غيلة لا غنية أن نولي منصبه لغيره ، فيكون المتولي بعده على وجل واحتراس . وإنما الرأي أن ندبر عليه . فدبر عليه حتى قتل . هذا كان أحد الأقوال في قتله .
قال : ولما وثب الباطنية عليه ضرب ثماني ضربات ، فمات لوقته ، وحمل على أيدي مقدمي ركابه ، والقائد الميمون محمد وأخوته لا يمكنون أحداً من الدنو منه ، وهم يبشرون الناس بسلامته ، حتى وضعوه على سريره وغطى . ونفذ المأمون أخاه حيدرة إلى الآمر يقول له : أدركني وتسلم ملكك لئلا أغلب عليه أنا وأنت ، وأوصاه أن يهنء من وجده بسلامة الأفضل . ففعل حيدرة ذلك ، وهنأ حرم الأفضل وغيرهم . فعزم أولاده على إثارة فتنة وأنهم يطلبون الآمر لأخيهم تاج المعالي ، فأمر الآمر بحمل أولاد الأفضل إلى الاعتقال بخزانة البنود ، فحملوا إليها ، وبات الأمر بدار الملك .
قال : وكان الأفضل حسن الإعتقاد في مذهب السنة ، جميل السيرة ، مؤثراً للعدل ، صائب الرأي والتدبير ، حسن الهمة ، كريم النفس ، صادق الحديث .
ونال الناس بعد قتل الأفضل من الظلم والجور والعسف ما لا يعبر عنه . فجاء الناس إلى باب الآمر واستغاثوا ، ولعنوا الأفضل وسبوه أقبح سب ، فخرج إليهم الخدم وقالوا : مولانا يسلم عليكم ويقول لكم : ما السبب في سب الأفضل وقد كان قد أحسن إليكم وعدل فيكم ؟ فقالوا : إنه عدل وتصدق وحسن آثاره ، ففارقنا بلادنا حباً لأيامه ، وأقمنا في بلده فحصل بعده هذا الجور ، فهو السبب في خروجنا عن أوطاننا واستقرارنا ببلده .

الصفحة 180