كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)

"""""" صفحة رقم 189 """"""
بالشيخ أبي الحسن علي بن أبي أسامة ، متولي ديوان المكاتبات ، وكان خصيصاً بالآمر قريباً منه . وناله من المأمون أذى كثير ، فأعلم الآمر بالحال . وكان المأمون كثير التطلع لأخبار الناس والبحث عن أحوالهم ، وكثر الوشاة في أيامه . قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل : كان ابتداء حال المأمون أن والده كان من جواسيس الأفضل بالعراق ، فمات ولم يخلف شيئاً ، فتزوجت أمه وتركته فقيراً فاتصل ببعض البنائين بمصر ، ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق الكبير . فدخل مع الحمالين إلى دار الأفضل مرة بعد أخرى فرآه الأفضل خفيفاً رشيقاً ، حسن الحركة حلو الكلام والحجة ، فسأل عنه ، فقيل هو ابن فلان ، فاستخدمه مع الفراشين . ثم تقدم عنده وكبرت منزلته وعلت درجته ، إلى أن انتهى إلى ما ذكرنا . قال محمد بن علي بن يوسف بن جلب راغب في تاريخ مصر : إن ابن الأثير وهم في وفاة والد المأمون ، وأن والده مات في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ، والمأمون إذ ذاك مدبر دولة الأفضل . وأكثر الناس يذكرون ما ذكره ابن الأثير .
وقال صاحب كتاب البستان في حوادث الزمان : إن المأمون كان يرش بين القصرين ، وجده من غلمان المستنصر بالله . والله أعلم .
ذكر أخبار أبي نجاح بن قنا النصراني الراهب وقتله
كان هذا الراهب من أهل أشموم طناح . وكان قد خدم والي الدولة يحنا بن أبي الليث ، ثم اتصل بالخليفة الآمر بعد القبض على المأمون . وبذل في مصادرة قوم من النصارى مائة ألف دينار ، فأطلق يده فيهم . وتسلسل الأمر إلى أن عم البلاء منه جميع رؤساء الديار المصرية وقضاتها وكتابها وغيرهم . ولم يبق أحد إلا ناله منه مكروه من الضرب والنهب وأخذ المال . وارتفع شأنه عند الآمر حتى كان يعمل له ملابس مخصوصة به بدمياط وتنيس من الصوف الأبيض المنسوج بالذهب ، فكان يلبسها ويلبس من فوقها الغفافير الديباج . وكان يتطيب في كل يوم بعدة مثاقيل من المسك ، وكان

الصفحة 189