كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 219 """"""
فلما حضروا إليه قبض عليهم وقتلهم .
ذكر قدوم شاور من الشام وعوده إلى الوزارة ثانياً وقتل الضرغام
كان قدومه في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة .
وذلك أنه لما توجه إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ، وحسن له أن يجهز معه جيشاً يفتح به مصر ، ووصفها له ورغبه فيها ، والتزم أنه يحمل خزائنها إليه يستعين بها على قتال الفرنج . فمال إليه ، وجهز معه أسد الدين شيركوه بعساكر . فلما قاربوا مصر ندب إليهم الضرغام عسكراً وقدم عليه أخاه ناصر المسلمين ، فلقيهم على بلبيس ، فانهزم العسكر المصري وعاد إلى القاهرة .
وسار شاور والعساكر الشامية ، فنزل بظاهر القاهرة في آخر الشهر ، واجتمع معه خلق كثير من العربان . فعلم الضرغام أنه لا قبل له بما دهمه ، فركب إلى القصر ، وطاف به ، وجعل ينادي العاضد ، وهو يخاف أن ينزل إليه . فأرسل إليه العاضد يقول : انجُ بنفسك فخرج من القاهرة يريد مصر ، ودخل شاور وشيركوه إلى القاهرة ، وندب جماعة إثر الضرغام فأدركوه عن مشهد السيدة نفيسة ، فقتلوه هناك في يوم الجمعة ، لليلتين بقيتا من جمادى الآخر . وطيف برأسه القاهرة على رمح ، وبقيت جثته ملقاة بين الآكام ثلاثة أيام حتى أكلتها الكلاب . ودفن ما بقي منه عند بركة الفيل ، وعمل عليه قبة ، فكانت مدة ملك الضرغام تسعة أشهر .
وكان فارساً بطلاً ، كريماً ، عاقلاً ، أديباً ، يحب العلماء ويقربهم ، وله مجلس يجتمع فيه أهل العلم والأدب دون غيرهم . وكان حسن الخط ، يقال إنه كان يحاكي ابن البواب في خطه .