كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 221 """"""
ذكر عود أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية بالعساكر الشامية وانفصاله
قال المؤرخ : لما انفصل أسد الدين شيركوه عن الديار المصرية في سنة تسع وخمسين ، بقي عنده منها أمر عظيم . وكان إذا خلا بنور الدين الشهيد يرغبه فيها . فجهزه بالعساكر والحشود ، فسار من الشام في شهر ربيع الأول سنة اثنين وستين وخمسمائة ، فاتصل ذلك بشاور ، فراسل الفرنج وانتصر بهم . فخرج الفرنج ووقفوا على الطريق التي يسلكها شيركوه إلى الديار المصرية ، فعدل شيركوه عن تلك الطريق وجعلها عن يمينه ، وسار حتى نزل إطفيح ، في سادس شهر ربيع الآخر . وعبر النيل إلى الجانب الغربي ، ونزل الجيزة ، وأقام عليها إلى العشرين من جمادى الأولى . واستولى على الغربية وغيرها . فأرسل شاور إلى الفرنج يستحثهم ، فأتوه على الصعب والذلول ، وقد طمعوا في ملك الديار المصرية .
فلما تكاملوا بالقاهرة توجه أسد الدين شيركوه نحو الصعيد ، وسار شاور والفرنج في آثارهم . فجمع أسد الدين الأمراء واستشارهم في العبور إلى الجانب الشرقي والعود إلى الشام ، فوافقوه على ذلك ، فنهض شرف الدين بزغش ، أحد الأمراء المماليك النورية ، وكان شجاعاً مقداماً ، وأنكر ذكر كل الإنكار ، وامتنع من الموافقة ، وقال : من خاف من الأسر أو القتل فلا يخدم الملوك ويأكل رزقهم ، ويكون في بيته عند امرأته . وقال : والله لا نزال نقاتل إلى أن نقتل عن أخرنا أو ننتصر . فوافقه أسد الدين ، وجمع عسكره ورتبهم ، وجعل أثقاله في القلب ليكثر بها السواد ولئلا ينهبها أهل البلاد .
فبينما هم في التعبئة إذا بشاور والفرنج قد أقبلوا ، ورتبهم واقتتلوا ، فكانت الهزيمة على شاور والفرنج وتوالت عليهم الحملات من العسكر الشامي ، فتمادت بهم الهزيمة إلى الجيزة ، وشيركوه في آثارهم . وقتل منهم خلق وغرق كثير منهم . وأسر أسد الدين صاحب قيسارية .
ودخل شاور والفرنج إلى القاهرة ، وملك أسد الدين البر الغربي بكماله ، وقصد الإسكندرية ليحاصرها . فلما قرب منها خرج إليه أهلها وسلموها إليه من غير ممانعة ،