كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 222 """"""
وكان والي الثغر يوم ذاك نجم الدين بن مصال . فدخل شيركوه البلد ، وأقام بها أياماً قلائل ، واستناب بها صلاح الدين يوسف بن أخيه نجم الدين أيوب ، وتركه بها ومعه ألف فارس . وتوجه هو إلى الصعيد فاستولى عليه ، واستخرج أمواله وصام شهر رمضان بمدينة قوص .
هذا وشاور يتجهز للخروج ويرتب أحواله وأحوال الفرنج ويرم ما تلف لهم . فلما تكامل ما يحتاج إليه قصد الإسكندرية ، فأخرج أهلها الأموال وأنفقوها ، واستعدوا للحصار ، فكان في جملة ما أخرجوه للحصار أربعة وعشرون ألف قوس زنبورك وما يناسب ذلك من الآلات .
وسار شاور ومري ملك الفرنج ، فنازلوا الإسكندرية . فلما رأوا شدة أهلها واجتماعهم على الحصار ، تقدم شاور إليهم وقال : سلموا إلى صلاح الدين ومن معه وأضع عنكم المكوس ، وأعطيكم الأخماس . فامتنعوا وقالوا : معاذ الله أن نسلم المسلمين إلى الفرنج والإسماعيلية . فعند ذلك وقع الحصار واشتد على أهل الإسكندرية إلى أن قلت الأقوات .
وبلغ ذلك أسد الدين فسار من الصعيد وجد في السير إلى الإسكندرية ، وكان شاور قد أفسد التركمان الذين مع أسد الدين فصاروا معه ، واجتمع لشيركوه طائفة كبيرة من العربان ، فملا علم شاور بقربه خافه وراسله في طلب الصلح ، وبذل له خمسين ألف دينار ، سوى ما أخذه من خراج البلاد ، على أن يفارق الديار المصرية . فأجاب أسد الدين إلى ذلك ، وشرط عليهم أن يرجع هو إلى الشام ويرجع الفرنج إلى بلادهم . فاستقرت هذه القاعدة ، وحلف الفرنج عليها .
ففتحت الإسكندرية عند ذلك ، وخرج صلح الدين يوسف إلى مري ملك الفرنج وجلس إلى جانبه . فدخل شاور عليهما ، فقال لمري : سلمه إلي وأعطيك في كل سنة خمسين ألف دينار . فقال مري : نحن إذا حلفنا لا نغدر ، ووبخه . وكان أسد الدين قد شرط على شاور أن الفرنج يرحلون ولا يلتمسون من البلاد درهماً ولا ضيعة ولا غير ذلك .
قال : وارتحل أسد الدين ، ودخل مصر برضاء أهلها ، وسار إلى بلبيس . وأرسل