كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 239 """"""
وسبب ذلك أن الملك الناصر شرع في نقض إقطاع المصريين ، فاتفق هذا الخادم مع جماعة من الأمراء المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى الديار المصرية ، والاعتضاد بهم على صلاح الدين ومن معه ، وأرسل الكتب مع إنسان ، فجعلها في نعل ولبسه ، وسار أنه فقير ورث الهيئة . فلما وصل إلى البيضاء وجده تركماني ، فأنكر حاله إذ هو رث الهيئة جديد المداس . فأخذ مداسه وفتقه ، فوجد الكتب فيه ، فحمله بها إلى الملك الناصر ، فوقف عليها ، وكتم الأمر ، وقرر الرجل بالعقوبة ، فأقر أن الكتب بخط رجل يهودي ، فاستحضره ، فأقر بها . ثم قتل صلاح الدين القاصد . واستشعر مؤتمن الخلافة من الملك الناصر ، فلزم القصور واحترز على نفسه ، فكان لا يخرج منها . فلما طال ذلك عليه خرج من هذا اليوم لقصر له بالخرقانية ، فأرسل إليه الملك الناصر جماعة فقتلوه ، وأتوه برأسه ، فرتب حينئذ على أزمة القصور قراقوش الخصي ، وكان من مماليك عمه أسد الدين ليطالعه بما يتجدد بالقصور .
قال : ولما قتل مؤتمن الخلافة ثار السودان لذلك وأخذتهم المحمية ، وعظم عليهم قتله ، لأنه كان رأسهم ورئيسهم ، فحشدوا واجتمعوا ، فزادت عدتهم على خمسين ألف عبد ، وكانوا أشد على الوزراء من العسكر . فندب الملك الناصر العسكر لقتالهم ، وقدم على العسكر أبا الهيجاء السمين ، فالتقوا بين القصرين واقتتلوا ، فقتل من الفريقين جمع كثير ، فلما رأى الملك الناصر قوتهم وشدة بأسهم أرسل إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة ، خارج باب زويلة ، فأحرقها ، فاتصل ذلك بهم ، فضعفت نفوسهم ، فانهزموا إلى محلتهم فوجدوا النيران تضرم فيها . واتبعهم العسكر فمنعهم من إطفائها . ودام القتال بينهم أربعة أيام ، نهاراً وليلاً ، إلى يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة ، فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة وقد أيقنوا بالهلاك ، وخرج إليهم تورانشاه أخو الملك الناصر فقتلهم ، ولم ينج منهم إلا اليسير . وكتب الملك الناصر إلى ولاة البلاد بقتل من يجدونه منهم ، فقتلوا من عند آخرهم .