كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 245 """"""
وجاء عمارة إلى باب القاضي الفاضل لما مسك فاحتجب عنه ، فقال عمارة : [ من مجزوء الكامل ] .
عبد الرحيم قد احتجب . . . إن الخلاص من العجب
ونودي في أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصي الصعيد ، واحتاط الملك الناصر على من بالقصر من سلالة العاضد وأهله . وأما من كان قد وافقهم من أصحابه فلم يخاطبهم في ذلك ولا أوهمهم أنه علم به . وبلغ ذلك فرنج الساحل فلم يتحركوا من أماكنهم ، وأما فرنج صقلية فإنهم قصدوا ثغر الإسكندرية على ما نذكره . وفي سنة سبعين وخمسمائة ، في أوائلها ، خالف الكنز ، أمير العرب ، على الملك الناصر بصعيد مصر ، واجتمع معه جماعة كبيرة من رعايا البلاد والعربان والسودان وغيرهم ، وقتل أخا الأمير أبي الهيجاء السمين ، وكان قد توجه لإقطاعه بالصعيد . فعظم قتله على أخيه ، وكان من أكابر الأمراء الناصرية ، فسار إلى قتال الكنز . وندب معه الملك الناصر جماعة من الأمراء والعسكر ، فوصلوا إلى مدينة طود ، وهي على مسافة يوم من مدينة قوص إلى جهة الصعيد ، فامتنع من بها عليهم ، فقاتلوهم وظفوا بهم وقتلوا كثيراً منهم ، وخربوا البلد ، فهي إلى وقتنا هذا تعرف بطود الخراب ، وغيطانها عامرة . ثم سار العسكر منها إلى الكنز ، فقاتلوه ، فقتل هو ومن معه من الأعراب ، وأمنت البلاد واستقر أهلها .
وفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة ظهر بالديار المصرية فأر كثير جداً . قال القاضي الفاضل عبد الرحيم حدثني من شاهد هذا الفأر وهو يرحل من بقعة إلى أخرى فيغطي الأرض بكمالها حتى لا يظهر منها شيء البتة وأنه شاهده يمر بأماكن فلا يلم بها ولا يخرج عليها والزروع بها محصورة ، ويمر بأخرى فلا يلبس أن يفسد جميع ما فيها و لا يرتحل عنها وبها شيء من الزرع ولا المقات بالجملة .