كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 28)
"""""" صفحة رقم 259 """"""
ورحل إلى حران فمرض بها وطال مرضه حتى أيس منه ؛ ثم عوفي . وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة .
قال : ولما كان الملك الناصر مريضاً بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه ، وله من الإقطاع حمص والرحبة ، فسار إلى حمص واجتاز بحلب ، وأحضر جماعة من أحداثها ، ووعدهم ، وأعطاهم مالاً ؛ ثم وصل إلى حمص وراسل جماعة من الدماشقة على تسليم البلد إذا مات الملك الناصر ، وأقام ينتظر موته ، فتوفي ناصر الدين ليلة عيد الأضحى سنة إحدى وثمانين ، وعوفي الملك الناصر .
وكان الملك الناصر لما بلغه ما اعتمده ناصر الدين بحلب ومراسلته للدماشقة ، وضع عليه الناصح بن العميد سقاه سما فمات ، وطلب ابن العميد من الغد فلم يوجد وسار من ليلته إلى الملك الناصر ؛ فقويت الظن بذلك .
ولما توفي أعطي الملك الناصر إقطاعية لولده شيركوه ، وعمره اثنتا عشرة سنة ، وخلف ناصر من الأموال والخيول والآلات شيئا كثيراً ، فحضر الملك الناصر إلى حمص وعرض تركته ، واخذ أكثرها ، واستعان به على الجهاد ، ولم يترك إلا ما لا خير فيه .
وحضر شيركوه عند الملك الناصر بعد موت أبيه بسنة فأجلسه في حجره وسأله إلى أين انتهى من القرآن فقال إلى قوله تعالى : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً " فاضطرب الملك الناصر لذلك وظن أنه عرض بفعله ، وطلب مؤدبه ولوحه فوجده كذلك . فعوضه عما أخذه من مال أبيه الضياع الخراب بالشام في ذلك الوقت ، وهو الذي يعرف إلى زماننا هذه بالخراب الأسدي ، وورثته إلى هذا التاريخ يبيعون خراب ضياع الشام والسواد والبلقاء وغير ذلك ، واستولوا من الخراب ما ليس في كتابهم ، فباعوا مالاً هو لهم فإنه قيل إن الذي اشتمل عليه كتاب المبايعة أربعمائة ضيعة ، وهي التي كانت قد استولى عليها الخراب في ذلك الوقت ، فأباع ورثته جميع ما خرب بعد ذلك مما لم يتضمنه كتابهم وأعانهم على ذلك أنهم يبيعونه لأرباب الجاهات