كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 108 """"""
الوكالة إلى صناعة التمر الفاضلية . واستعمل فيه الملوك والأمراء ، وعمل بنفسه .
وكان هذا البحر في أوان احتراق النيل يكون طريقاً سالكاً إلى المقياس . وتمر المراكب ما بين الروضة والجيزة . ثم صار على العكس من ذلك في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ، فصار في احتراق النيل ليس بين الروضة وبين بر الجيزة غير ماء قليل يخاض ، فلا يغطى أكثر من خلخال . ثم أخذ في الزيادة بعد ذلك . إلى أن صار ، في سنة عشرين وسبعمائة وما بعدها تسافر فيه المراكب صيفاً وشتاءً . والبحران الآن على ذلك . ولكن البحر فيما بين الروضة ومصر أكثر ، وهو البحر الذي تسافر فيه السفن في الاحتراق .
نعود إلى سياقة أخبار سنة ثمان وعشرين وستمائة . وفيها بني أسد الدين شيركوه - صاحب حمص والرحبة - قلعة بالقرب من سلمية وسماها شميمس ، وهي على تلٍ عال .
وفيها كان مقتل الملك الأمجد : بهرام شاه ، بن فرخشاه ، بن شاهنشاه ابن أيوب - صاحب بعلبك . كان وكانت بعلبك بيده ، منذ أعطاه إياها السلطان الملك الناصر صلاح الدين عند وفاة أبيه ، في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة . فلم تزل بيده ، إلى أن انتزعها الملك الأشرف منه - كما تقدم - في السنة التي قبلها . وأعانه على ذلك صاحب حمص : أسد الدين شيركوه .
وكان سبب مقتله أن بعض مماليكه سرق له حياصة وداواة - قيمة ذلك مائتا دينار - وخبأهما عند ملوك آخر ، فلما ظهر له ذلك حبس السارق في خزانة داره - والخزانة خلف المكان الذي يجلس فيه الملك الأمجد - وتوعد ذلك المملوك - بقطع اليد . فلما كانت ليلة الأربعاء ، ثاني عشر شوال ، جلس على عادته أمام الخزانة - وعنده عباس بن أخي الشريف البهاء وهما يلعبان بالنرد ، وعنده فهيد المنجم وبيده الاسطرلاب ليأخذ له طالع الوقت .
فقال له فهيد : يا مولانا انظر إلي ، فهذه ساعةٌ سعيدة ، لو أردت أخذ دمشق لأخذتها . فقال له : لا تكلمني ، فقد تعين لي الغلب وكان مع المملوك الذي في الخزانة

الصفحة 108