كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 119 """"""
والتلزم بها بأقوى الأسباب وأمتن العصم . ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والائتلاف . ويصدهم عن موجبات التخاذل والاختلاف . وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم في الإعطاء والمنع . وما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض والرفع . وأن يثيب المحسن منهم على إحسانه ، ويسبل على المسيء - ما وسعه العفو واحتمل الأمر - صفحه وامتنانه . وأن يأخذ برأي ذوي التجارب منهم والحنكة ، ويجتنى بمشاورتهم في الأمر ثمر الشركة . إذ في ذلك أمنٌ من خطأ الإفراد ، وتزحزحٌ عن مقام الزيغ والاستبداد .
وأمره بالتبتل لما يليه من البلاد ويتصل بنواحيه من ثغور أولي الشرك والعناد . وأن يصرف مجامع الالتفات إليها . ويخصها بوفور الإهتمام بها والتطلع عليها . وأن يشمل ما ببلاده من الحصون والمعاقل بالإحكام والإتقان ، وينتهي في أسباب مصالحها إلى غاية الوسع ونهاية الإمكان ، وأن يشحنها بالميرة الكثيرة والذخائر ، ويمدها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر ، وأن يتخير لحراستها من يختاره من الأمناء التقاة ، ويسدها بمن ينتخبه من الشجعان الكماة . وأن يتأكد عليهم في أسباب الحيطة والاستظهار ، ويوقظهم للاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار . وأن يكون المشار إليهم ممن تربوا في ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا في نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد وأن يعتمد هذا القبيل بواصلة المدد وكثرة العدد ، والتوسعة في النفقة والعطاء ، والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم في التقصير والغناء . إذ في ذلك حسمٌ لمادة الأطماع في بلاد الإسلام ، ورد لكيد المعاندين من عبدة الأصنام .
فمعلومٌ أن هذا الغرض أولى ما وجهت إليه العنايات وصرفت ، وأحق ما قصرت عليه الهمم ووقفت . فإن الله تعالى جعله من أهم الفروض التي ألزم فيها القيام بحقه ، وأكبر الواجبات التي كتب العمل بها على خلقه . فقال سبحانه وتعالى - هادياً في ذلك إلى سبيل الرشاد ، ومحرضاً لعباده على قيامهم له بفروض الجهاد : ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصبٌ ولا مخمصةٌ في سبيل الله ولا يطأون

الصفحة 119