كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 122 """"""
المناصحة بإخلاص الطوية وإصفاء السريرة ، حالين من الأمانة والصون بما يزين . ناكبين عن مظان الشبه والطمع الذي بصم ويشين . وأن يأمرهم باتباع عادات أمثالهم في ضبط أسماء الرجال ، وتحلية الأشخاص والأشكال واعتبار شيات الخيول وإثبات أعدادها ، وتحريض الجند على تخيرها واقتناء جيادها . وبذل الجهد في قيامهم من الكراع والبرك والسلاح بما يلزمهم ، والعمل بقول الله تعالى : " وأعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعْتُم من قُوَةٍ ومن رِباط الخَيْل ، تُرْهِبُون به عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ، وآخَرَين من دُونِهم لا تعلمونَهم اللهُ يَعْلَمُهُمْ " . فإذا نطقت جرائد الجند المذكورين بما أثبت لديهم ، وحقق الاعتبار والعيان قيامهم بما وجب عليهم ، أطلقت لهم المعايش والأرزاق بحسب إقراراتهم ، وأوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم واستحقاقاتهم . فإن هذه الحال أصل حراسة البلاد والعباد ، وقوام الأمر فيما أوجبه الله تعالى من أمر الاستعداد بفرض الجهاد . قال الله تعالى : " والذين جاهدوا فينا لنَهْدِيَنَّهَم سُبُلَنا ، وإن الله لمع المُحْسِنِين " .
وأمره بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون بأمرها مضطلعا ، وللسنة النبوية في إقامة حدودها متبعا . فيعتمد في الكشف عن أحوال العامة في تصرفاتها الواجب . ويسلك في التطلع على معاملاتهم السبيل الواضح والسنن اللاحب . ويأتيهم في الأسواق لاعتبار المكاييل والموازين ، ويعتمد في مؤاخذة المطففين وتأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين . ويحذرهم في تعدي حدود الإنصاف شدة نكاله ، ويقابل المستحق للمؤاخذة بما يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله . قال الله تعالى : " أوْفُوا الكَيْلَ ولا تكونوا من المُخْسِرِين . وزِنُوا بالقِسْطاسِ المُسْتقيم . ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشياءَهم ولا تعثوا في الأرض مُفْسِدِين " . وقال سبحانه : " وَيْلٌ للمُطَفِّفِين الذين إذا اكْتَالُوا على الناس يَسْتَوْفُون ، وإذا كَالُوُهمْ أو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُون . ألاَ يَظُنُّ أولئك أنهم مَبْعُوثون ليوم عظيم . يوم يَقُومُ الناسُ لربِّ العالَمين " .

الصفحة 122