كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 127 """"""
وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد نفاه من دمشق ، بسبب وقوعه في الناس . ولما نفى كتب من الهند إلى دمشق :
فعلام أبعدتم أخاثقةٍ . . . لم يجترم ذنبا ولا سرقا
انفوا المؤذّن من بلادكم . . . إن كان ينفى كلّ من صدقا
ولما مات الملك الناصر صلاح الدين ، وملك الملك العادل دمشق ، سار متوجهاً إلى الشام . وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرائية ، واستأذنه في الدخول إلى دمشق . ووصفها وصف ما قاسى في الغربة ، ولما فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها ، قال في قصيدته :
فارقتها لاعن رضىً ، وهجرتها . . . لا عن قلىً ، ورحلت لا متخيراً
أسعى لرزقٍ في البلاد مشتّتٍ . . . ومن العجائب أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحي متقنّعاً . . . وأكفّ ذيل مطامعي متستّرا
جاء منها في شكوى الغربة ، وما قاساه منها :
أشكو إليك نوىً ، تمادى عمرها . . . حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى . . . يعفو ، ولا جفني يصافحه الكرى
أضحى عن الأخوى المريع محلأً . . . وأبيت عن ورد النّمير منفّرا
ومن العجائب أن تفيّأ ظلّكم . . . كلّ الورى ، ونبذت وحدى بالعرا
فلما وقف العادل على هذه القصيدة ، أذن له في الدخول إلى دمشق ، فدخلها .
وقال :
هجوت الأكابر في جلّقٍ . . . ورعت الوضيع بسبّ الرّفيع
وأخرجت منها ، ولكنني . . . رجعت على رغم أنف الجميع

الصفحة 127