كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 143 """"""
عجوز ، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن - صاحب خلاط . فأذنت لها ، فدخلت ، ومعها ورقة من عند بنت صاحب خلاط ، تذكر أن الحاجب علي قد أخذ ضيعتها وقصد هلاكها ، وما تتجاسر أن تظهر ، خوفاً منه . فكتبت على الورقة بإطلاق القرية ، ونهيت الحاجب عنها .
فقالت العجوز : هي تسأل الحضور بين يديك ، فعندها سرٌ ما يمكن ذكره إلا للسلطان فأذنت لها . فتوجهت وعادت بعد ساعة ، ومعها امرأة ما رأيت في الدنيا أحسن من قدها ، ولا أظرف من شكلها ، كأن الشمس تحت نقابها فخدمت ووقفت . فقمت لها وقلت : وأنت في هذا البلد ، وما علمت بك ؟ فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة فقلت : غط وجهك ، وأخبريني بحالك .
فقالت : أنا بنت شاه أرمن ، صاحب هذه البلاد . مات أبي ، واستولى بكتمر على الممالك ، وتغيرت الدول ، وكانت لي ضيعة أعيش منها ، أخذها الحاجب علي وما أعيش إلا من عمل النقش ، وأنا ساكنةٌ في دار بالأجرة قال : فبكيت ، وأمرت الخادم أن يكتب لها توقيعاً بالضيعة وبالوصية ، وأمرت لها بقماش من الخزانة ، وأمرت لها بدار تصلح لسكنها ، وقلت باسم الله ، امضي في حفظ الله ودعته .
فقالت العجوز : يا خوند ، ما جاءت إلى خدمتك إلا حتى تحظى بك الليلة قال : فلما سمعت كلامها ، وقع الله في قلبي تغير الزمان ، وأن يملك خلاط غيري ، وتحتاج بنتي إلى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه : فقلت : يا عجوز ، معاذ الله والله ما هو من شيمتي ، ولا خلوت بغير محارمي ، فخذيها وانصرفي ، وهي العزيزة الكريمة ومهما كان لها من الحوائج تنفذ إلى هذا الخادم . فقامت ، وهي تبكي ، وتقول - بالأرمنية : صان الله عاقبتك ، كما صنتني . قال : فلما خرجت ، أفتتني نفسي ، وقالت : ففي الحلال مندوحةٌ عن الحرام ، تزوجها . فقلت : يا نفساً خبيثة ، فأين الحيا والكرم والمرؤة والله لا فعلته أبداً .
ومما حكاه أبو المظفر - أيضاً - قال : كنت عنده بخلاط ، فقدم النظام بن أبي الحديد ، ومعه نعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فأخبرته بقدومه ، فأذن بحضوره . فلما جاء ، ومعه النعل ، قام ونزل من الإيوان ، وأخذ النعل فقبله ، ووضعه على عينيه ، وبكى وخلع على النظام

الصفحة 143